welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 30*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 30

صفحه 1
(الجزء 30)

صفحه 2

صفحه 3
30
يشتمل على تفسير الجزء الثلاثين
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني التبريزي. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1391 .
      30 ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 509 - 0(VOL.30)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6(30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
مندرجات: ج . 30 . تفسير سوره نبأ تا آخر سوره ناس.
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1391
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 30
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1391 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2012 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ومكتبة التوحيد ـ قم
عدد الصفحات:   … 760 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:756   تسلسل الطبعة الأُولى:394
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 30

صفحه 7
الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق، ثم الصلاة والسلام على آله وأوصيائه الذين أكمل بهم الدين وأتمّ النعمة، صلاة دائمة ما دامت السماوات ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.
أما بعد، فهذا هو تفسير الجزء الثلاثين من أجزاء القرآن الكريم نقدّمه للقرّاء الكرام، عسى أن يعينهم على تفهّم معانيه وأسراره، ومعرفة مفاهيمه وأحكامه، وإدراك مقاصده وغاياته .
ولا يخفى أنّ المكتبة الإسلامية وإن كانت مكتظة بالتفاسير، إلاّ أن الذي دعانا للقيام بهذا العمل هو محاولة تقديم تفسير جامع ميسّر يكون مصدراً لما يحتاج إليه المدرّسون والمبلغون في دروسهم ومحاضراتهم في توضيح الآيات الكريمة، وتقريبها إلى أذهان الناشئة المؤمنة، وقد بذلنا جهدنا في تحقيق هذا الهدف راجين من الله سبحانه أن يصوننا من الخطأ والزلل، وأن يجعل عملنا هذا ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدّسة/ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 8
   

صفحه 9

سورة النبأ

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَ خَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَ جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَ جَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَ بَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَ جَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَ أَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَبَاتاً * وَجَنَّات أَلْفَافاً * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَ فُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَ سُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً * إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَ لاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَ غَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ

صفحه 10
نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً * إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَ كَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَ كَأْساً دِهَاقاً * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ كِذَّاباً * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَ يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً).

صفحه 11
خصائص السورة

تسمية السورة

سمّيت هذه السورة في أكثر المصاحف بسورة «النبأ»، وربّما تُسمّى سورة «المعصرات»، وأُخرى بسورة «التساؤل» والسبب ورود لفظ يناسب هذه الأسماء في صدرها، أعني: النبأ في قوله: (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)، والمعصرات في قوله: (وَ أَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً)، والتساؤل في قوله: (يَتَسَاءَلُونَ)، وفي «مجمع البيان» سمّاها سورة «عمّ»، ولا مشاحة في التسمية; لأنّها غير توقيفية، فلكلّ إنسان أن يشير إلى السورة المعيّنة بلفظ خاصّ يناسبها، ويكون بين الاسم والمسمّى نوع تداع.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها في عدّ المكّيّ إحدى وأربعون آية، وفي عدّ غيرهم أربعون، والاختلاف في الآية الأخيرة وهي قوله تعالى: (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً)فهي آية في عدّ المكّيّ، ومتّصلة بما بعدها في عدّ غيرهم.
وهي مكّيّة بالاتّفاق، ويشهد على ذلك صياغتها ومضمونها، فإنّ السور المكّيّة امتازت بقرب الفواصل بين آياتها، وبالتركيز على الأُمور العقائدية كالتوحيد والمعاد والرسالة ونحو ذلك .

صفحه 12

أغراض السورة

تبدأ السورة بذكر تساؤل وقع بين المشركين حول ما يدّعيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويسأل بعضهم بعضاً، وليس في هذه الآيات ما يدلّ صريحاً على موضوع المحادثة، ويحتمل الأُمور التالية:
1. محادثتهم في توحيد العبادة حيث إنّهم يعبدون آلهة كثيرة أرضية وسماوية، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يدعوهم إلى عبادة الإله الواحد الّذي هو خالق تلك الآلهة.
2. محادثتهم في أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهل هو مرسل من ربّه أو كاهن أو ساحر ؟
3. محادثتهم في القرآن الكريم، وهل هو كلام الله تعالى أو أنّه (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).1
4. محادثتهم في إمكان البعث وحشر الناس بعد ما بليت عظامهم وتبدّلت إلى التراب وأثارتها الريح.
كلّ ذلك محتمل، ولكنّ الظاهر من آيات السورة أنّ الموضوع كان هو الاحتمال الأخير، وذلك لما سيأتي بأنّ الله سبحانه استدلّ على مواضع عظمته بأُمور تسعة، والقادر على هذه الأُمور يتمكّن بوضوح من إحياء الموتى ، وأمّا الأُمور الّتي ذكرها سبحانه فسيوافيك بيانها خلال التفسير.
سورة النبأ: الآيات 1 ـ 5   

1 . الفرقان: 5.

صفحه 13

الآيات: الخمسة الأُولى

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ) .

المفردات

عمّ: لفظ مركّب من كلمتين هما حرف الجرّ «عن» واسم الاستفهام: «ما» وفي الأصل: «عن ما»، فأُدغمت النون في الميم، لقرب مخرجهما، فصارت «عمّا»، وقد جرى استعمال العرب بحذف الألف في آخر «ما» إذا دخل عليها حرف الجر، فصار اللفظ «عمّ» بمعنى: أي شيء.
وهناك حروف ثمانية إذا دخلت على «ما»الاستفهامية يحذف ألف «ما» وهي:
1. عن، تقول: عمّ.
2. من، تقول: ممّ.
3. الباء، تقول: بمَ.
4. اللام، تقول: لِمَ .
5. في، تقول: فيمَ.
6. إلى، تقول: إلامَ.
7. على، تقول: علامَ.
8 . حتّى تقول: حتّامَ.1

1 . مجمع البيان: 10 / 269 .

صفحه 14
النبأ: الخبر العظيم الشأن، وربّما يفسّر بالخبر مطلقاً.
العظيم: تقول: خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتّى يتضمن هذه الأوصاف الثلاثة.

التفسير

بُعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)برسالة اشتملت على أُصول وعقائد أحدثت هزّة في أذهان قريش ومشاعر أهلها، فجعلوا يتناقشون في أنديتهم بذكر ما جاء به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى رأس هذه الأُمور مسألة البعث والنشور، حيث إنّ سماعهم هذا الأمر يجعلهم يرتجفون خوفاً من عرض أعمالهم وقبائحهم، وتمتلأ أنفسهم فَرَقاً من انكشاف حقيقة أعمالهم .
1. (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) :
والله سبحانه يحكي في هذه الآيات تساؤلهم عن النبأ العظيم، أي: عن أي شيء عظيم الشأن يتساءلون، ويسأل بعضهم بعضاً، ويتناقشون فيه؟
والاستفهام في (عَمَّ) ليس حقيقياً، بل جيء به لأجل إيجاد الرغبة في تلقّي الخبر، مثل قوله تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ)1.
و «يتساءلون» من باب المفعالة، حاك عن سؤال بعضهم بعضاً، وأنّه كان هناك نقاش وحوار.

1 . الشعراء: 221 .

صفحه 15
2. (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ):
لم يُفصح هنا عن المراد من النبأ العظيم المسؤول عنه، وكيفية الاختلاف فيه، ولكن بملاحظة الآيات التالية نجد أنّ الاختلاف كان في إمكان البعث وعودتهم إلى الحياة من جديد .
3. (الذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ):
الآية تحكي عن اختلافهم في وصف النبأ العظيم، وليس في الآية شيء يدلّ على كيفية اختلافهم.
4. (كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ):
ردع وإبطال لما سبق، أي ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون.
5. (ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ) :
تأكيد في الإبطال، وزجر مع الوعيد، فصار مضمون الآيات أنّ المشركين كانوا يتساءلون عن نبأ عظيم، وكان الحوار بينهم قائماً على قدم وساق .
ثم إنّه سبحانه أبطل مقالتهم بأنّهم سوف يعلمون واقع الموضوع الّذي يختلفون فيه، وأمّا ما هو الموضوع فيظهر ـ كما مرّ الإيعاز به ـ من الآيات التالية أنّه هو إمكان البعث والحياة الأُخروية، بدليل أنّه سبحانه عرَض من مظاهر قدرته وبدائع آياته أُموراً تسعة لكي يلفت نظر المشركين ويثير انتباههم إلى أنّ مَن يقدر على هذه الأُمور العظيمة، لا تعجز قدرته عن إحياء

صفحه 16
الموتى وحشر الخلائق.
نعم ففي خطبة لأمير المؤمنين وهي خطبته المعروفة بـ «الوسيلة»، قال (عليه السلام): «إنّي النبأ العظيم» .1
وفي «عيون أخبار عن الرضا (عليه السلام)» عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي(عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي (عليه السلام): «أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى»(2).
أقول: إنّ ولاية علي (عليه السلام)الّتي هي استمرار لولاية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من الأنباء العظيمة الّتي لها الدور العظيم في حياة المسلمين وفي جمع كلمتهم ولمّ شعثهم، فالروايتان وما في نظائرهما من باب تطبيق الكلّي على مصداق خاص، كما يدلّ عليه تطبيق الصراط المستقيم على صراط عليّ(عليه السلام) وطريقه، إذ لا شكّ أنّ المراد من قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)2 هو الطريق إلى الله، وطريق علي من مظاهر طريقه سبحانه .
وعلى كلّ تقدير فإليك صورة إجمالية عن هذه الأُمور التسعة الّتي سيأتي تفصيلها عند تفسير الآيات:
1. بسط الأرض وجعلها صالحة لمعيشة وسير الناس والحيوانات عليها.
سورة النبأ: الآيات 6 ـ 16    
2. جعل الجبال أوتاداً تثبّت الأرض .
3. تنوع الآدميين إلى ذكور وإناث.

1 . الكافي: 8 / 30، خطبة الوسيلة.   2 . عيون أخبار الرضا: 1 / 9، الحديث 13.
2 . الفاتحة: 6 .

صفحه 17
4. جعل النوم راحة للإنسان من عناء الأعمال الّتي يزاولها في النهار.
5. جعل الليل ساتراً .
6. جعل النهار وقتاً لإدارة شؤون الحياة والمعاش.
7. بناء سبع سماوات شديدة فوق رؤوس البشر مع إحكام الوضع ودقة الصنع.
8. وجود الشمس المنيرة المتوهّجة.
9. نزول المطر وما ينبت بسببه من النبات.

الآيات: السادسة إلى السادسة عشرة

(أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَ الْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَ خَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَ جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَ بَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَ جَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَبَاتاً * وَجَنَّات أَلْفَافاً).

المفردات

مهاداً: المهد: ما يهيَّأ للصبي، قال تعالى: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)1، والمهد والمهاد: المكان الممهّد الموطَّأ.
أوتاداً: الوتد: ما يُدق في الأرض، ويكون أسفله أدقّ من أعلاه، لتشدّ

1 . مريم: 29 .

صفحه 18
به أطناب الخيمة، وكون الخيمة ذات أوتاد كثيرة دليل على اتّساع دائرتها.
سباتاً: السبت في اللغة القطع، ومنه سبتَ السير أي قطعه، وبما أنّ النوم يقطع العمل المستمرّ في النهار، وصف سبحانه النوم بـ «سباتاً»، أي قاطعاً، وبالتالي يكون راحةً، وقد نقل عن ابن قتيبة أنّه قال: السبات: الراحة، وقال الرازي: وليس غرضه منه أنّ السبات اسم للراحة، بل المقصود أنّ النوم يقطع التعب ويزيله وحينئذ تحصل الراحة.1
شداداً: الشدّ هو العَقد القوي، وربّما يكون كناية عن البناء الرصين.
وهّاجاً: يقال: وهجت النار إذا اضطرمت اضطراماً شديداً، والمراد متلألئاً وقّاداً.
المُعصرات: السُّحب الممطرة، من أعصرت السحابة إذا أمطرت .
ثجّاجاً: أي صبّاباً دفّاعاً في انصبابه .
الحَبّ: الزرع الّذي يُحصد.
ألفافاً: بساتين ملتفة بالشجر.

1 . تفسير الرازي: 31 / 7 .

صفحه 19

التفسير

ذكر سبحانه في هذه الآيات أُموراً تسعة تدلّ على مظاهر قدرته التامّة، وهي:
6 ـ أ . (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً):
والاستفهام تقريري والمقصود اعتراف المخاطب بالمثبت لا بالمنفي، والمعنى: جعلنا الأرض مهاداً، ولذلك عطف سائر الآيات التالية بقضية مثبتة، كما ستلاحظ.
وقد مرّ أن المهاد هو الأرض الموطَّأة، ويكون المعنى: جعلنا الأرض فراشاً وقراراً لكي تستقرّون عليها وتتصرّفون فيها، ويدلّ على هذا المعنى سائر الآيات الّتي تصف الأرض، تارة بالفراش، قال سبحانه: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَ السَّمَاءَ بِنَاءً)1 .
وأُخرى بجعل السُّبل فيها: (الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً)(2).
فإنّ جعل السبل فيها قرينة على أنّ المراد من المهد أنّها موطَّأة وذات سبل .
وثالثة بالقرار وجعل الأنهار : (جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَ جَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً)2 .

1 . البقرة: 22.         2 . طه: 53 .
2 . النمل: 61 .

صفحه 20
وهذه الصفات الثلاث تدلّ على أنّ المراد من كون الأرض مهاداً أي موطّأة مُذلَّلة، قابلة للحياة والتصرّف فيها.
وأمّا ما قيل من أن وصف الأرض بالمهد كناية عن حركتها الهادئة، فالظاهر أنّه غير مراد.
7 ـ ب . (وَ الْجِبَالَ أَوْتَاداً):
أي أوتاداً للأرض كي لا تميد بأهلها، فيكمل كون الأرض مهاداً، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهَاراً وَ سُبُلاً)1.
قال الإمام علي (عليه السلام): «وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ»2.
وكأنّ الأرض كالخيمة، فكما أنّ الأوتاد تثبّت الخيمة، وتزيد في قوة تحمّلها للرياح الشديدة، فهكذا الجبال، فلولاها لاضطربت الأرض، إنّما الكلام في تبيين ذلك في المشبّه. ولعلّ المراد أنّ في جوف الأرض من المواد الدائمة الذوبان والجيشان وهي تحاول أن تخرج بضغط كبير ـ أي ضغط الخروج ـ إلى خارج سطح الأرض، ولولا الجبال لهدَّمت قِشْراً عظيماً من الأرض.
والجبال، أيضاً تحمي اليابسة من الانقلاب الذي يمكن أن ينتج عن هياج الأمواج في المياه التي تتجاوز مساحتها70% من مساحة الأرض، أو أي تقلّبات كونية أُخرى.(3)

1 . النحل: 15، ولاحظ : الأنبياء: 31 و لقمان: 10 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة: 1 .   3 . الموسوعة العربية العالمية:8/202.

صفحه 21
8 ـ ج . (وَ خَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً):
أي جعلناكم أصنافاً ذكوراً وإناثاً ليتمّ حفظ النسل والاستئناس، قال سبحانه: (وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً)1.
9 ـ د. (وَ جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً):
أي وجعلنا نومكم في الليل قاطعاً للمتاعب الّتي تمارسونها في النهار، فبالنوم فيه يحصل قطع المتاعب وبالتالي تحصل الراحة.
والنوم ـ كما هو معروف ـ يعيد الطاقة للجسم، وخصوصاً للدماغ والجهاز العصبي. والشخص الذي يُحرم من نعمة النوم، يفقد طاقته ويصبح سريع الانفعال. وبعد مضيّ يومين بدون نوم، يجد المرء أنّ التركيز فترة طويلة يصبح أمراً صعباً. وأمّا الشخص الذي يستمر بلا نوم فترة تزيد على ثلاثة أيام، فإنّه يجد صعوبة كبيرة في التفكير، والرؤية، والسماع بوضوح. وقد يعاني من فترات(هَلْوسة) يشاهد أثناءها أشياء لا وجود لها في الواقع، ويخلط أيضاً بين أحلام اليقظة والحياة الحقيقية.(2)
10 ـ هـ . (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً):
فهو بظلامه يستر كلّ الأجسام ويغطّيها، ويخفي ما لم يظهره النهار ويستر ما يكشفه.

1 . الروم: 21 .   2 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:25/590.

صفحه 22
وبما أنّ الآية في مقام بيان النعمة فوجه النعمة أنّ ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد الهرب من عدوه، أو إخفاءً لما لا يحب أن يطّلع عليه غيره.
وقد نُقل عن المانوية أنّهم كانوا يعتقدون أنّ الخير من النهار والشرّ من الليل، فجاء المتنبي يكذّب تلك الفكرة ويقول:
وكم لظلام الليل عندك من يد *** تخبِّرك أنّ المانوية تكذبُ
إلى غير ذلك من منافع من كون الليل لباساً ساتراً.
11 ـ و . (وَ جَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً):
أي: جعلنا النهار ضماناً لحياتكم تبتغون فيه من فضل ربكم، إذ لولا النهار لما أمكن التقلّب في الحوائج والمكاسب.
12 ـ ز. (وَ بَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً):
والشدّ هو العقد القوي، وهنا كناية عن رصانة البناء، والمراد: سبع سماوات شديدة في بنائها محكمة النسج والوضع، لا يتطرّق إليها تصدّع ولا فطور.
ونظير هذه الآية، قوله تعالى:(الّذي خَلَقَ سَبعَ سَموات طِباقاً)1، وقوله:(وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوقَكُمْ سَبْعَ طَرائق)(2)، وقوله:(اللهُ الذي خَلَقَ سَبْعَ سَموات وَمِنَ الأرْضِ مِثلَهُنَّ)(3)، وقد اختلفت الأقوال حول المراد من ذلك،

1 . الملك:3.                  2 . المؤمنون:17.   3 . الطلاق:12.

صفحه 23
وأفضل تلك الأقوال ـ في رأينا ـ هو أنّنا يجب أن نؤمن ـ على سبيل الإجمال ـ بوجود سبع سماوات، وندع التفصيل لعلم الله تعالى 1، إذ لا يزال العلم في مجال الكشف عن أسرار الكون ـ مع تقدّمه ـ كطفل يحبو على شاطئ بحر زخّار.
13 ـ ح . (وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً) :
أي: شديد النور وهي الشمس، وكان اللازم أن يقول: فخلقنا سراجاً وهاجاً، وإنّما قال: (جَعَلْنَا)، لأنّ كونه وهاجاً حالة من حالاته وراء ذاته.
14 ـ ط . (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً):
أي: أنزلنا من السحب ماء صبّاباً شديداً، وكأنّ السُّحب كالفواكه الّتي تُعصر ويُصَبّ ماؤها. ثم إنّه سبحانه بيّن منافع نزول الماء من المعصرات بالآيات التالية:
15 و 16 ـ ي و ك. (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَبَاتاً * وَ جَنَّات أَلْفَافاً):
أي: لنخرج به حبوباً يقتات بها الناس كالحنطة والشعير وحدائق ذات أغصان ملتفّة، وقد جمع سبحانه في هذه الآية جميع ما تُنبته الأرض، لأنّ جميع ما يخرج منها إمّا أن يكون ذا ساق أو لا، والأول هو الشجر والآخر هو الحبوب، يقول سبحانه: (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّات وَ حَبَّ الْحَصِيدِ)2.

1 . التفسير الكاشف:7/358. ومع ذلك يأتي منا بيان حول السماوات السبع في تفسير الآية 12 من سورة الطلاق فلاحظ.
2 . ق:9.

صفحه 24
ثم إنّ هذه الأُمور الّتي هي من مظاهر قدرته تنقسم إلى ما يرجع إلى السماء; كجعل الليل ساتراً، والنهار معاشاً، والسبع بناء شداداً، والسراجَ وهاجاً، والمعصرات ثجاجاً.
وإلى ما يرجع إلى الأرض; كجعل الأرض مهاداً، والجبال أوتاداً، وخلق الإنسان ذا زوج.
إلى هنا عرفنا شيئاً من مظاهر قدرته سبحانه، بقي الكلام في ما هي الغاية من عرض هذه الأُمور، فهذا هو الّذي يُعلَم من الآيات التالية.
سورة النبأ: الآيات 17 ـ 20    

الآيات: السابعة عشرة إلى العشرين

(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً).

المفردات

الفصل: هو إبانة أحد الشيئين عن الآخر حتّى تكون بينهما فرجة، كإبانة التبن عن الحبّة.
ميقاتاً: قال الراغب: الميقات: الوقت المضروب للشيء والوعد الذي جُعل له وقت، وربما يطلق الميقات للمكان الذي يجعل وقتاً للشيء كميقات الحج. والميعاد ناظر إلى المكان.
الصُّور: يشبه بقرن ينفخ فيه، فيجعل الله سبحانه ذلك سبباً لعود

صفحه 25
الأرواح إلى أجسامها. وأمّا ما حقيقة هذا الصور في يوم القيامة فهو من الأُمور الغيبية.
سراباً: السراب: اللامع في المفازة كالماء، فيستعمل فيما لا حقيقة له، قال تعالى: (كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً)1.

التفسير

17. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً):
يقع الكلام في وجه الصلة بين ما مرّ من ذكر عظائم النعمة في الحياة الدنيوية من النور والظلمة والحرارة والماء والتراب والنباتات وبين قوله: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً).
فيمكن بيان وجه الصلة بأمرين:
الأوّل: أنّ ما ذكره من عظائم الخلق، كالبرهنة على إمكان المعاد، فالله القادر على خلق هذا النظام السائد، قادر على هدمه وإيجاد نظام آخر .
الثاني: أنّ الغرض من هذا النظام ليس مجرد الأكل والشرب واليقظة والنوم، بل هو مقدّمة لنشأة أُخرى فلا وجه لاختلافهم في إمكانها.
إذا تبيّن ذلك يكون معنى قوله سبحانه: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً)أي اليوم الذي يفصل فيه بين الحق والباطل، أو يفصل فيه الناس حسب سرائرهم، وأعمالهم، هو ميقات لاجتماع الناس، قال تعالى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ

1 . النور: 39 .

صفحه 26
مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ)1، وقال سبحانه: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَ الأَوَّلِينَ)(2)، وهذا اليوم العصيب هو اليوم المحدّد لاجتماع الناس فيه، وهم وإن عاشوا في أزمنة مختلفة ولكن الجميع سيجتمع فيه، وهذا نظير جماعة يتّفقون على الحضور في مكّة المكرّمة في مِنى، فيصلونها بوسائط مختلفة ولكنّهم يتواجدون في زمان واحد.
ولفظ الميقات يؤكّد على معنى الوقت بقرينة قوله: (يَوْمَ الْفَصْلِ) وما يأتي بعده، أعني قوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ) .
18. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً):
(يَوْمَ يُنْفَخُ)عطف بيان على (يَوْمَ الْفَصْلِ)والآيات صريحة في وجود نفختين قبل القيامة، النفخة الأُولى يُصعَق بها من في السماوات والأرض، والنفخة الثانية إحياؤهم، والنفخة المذكورة في هذه السورة هي الثانية، بشهادة قوله تعالى: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )2.
فإذا نفخ في الصور جاء الناس إلى المحشر أفواجاً، وأمّا ما هو الملاك لضمّ كلّ فرد في فوج، فالظاهر من الروايات هو سرائرهم وأعمالهم، وقيل: تأتي كلّ أُمّة مع نبيّها، فلذلك يأتون أفواجاً، أي زُمَراً، إثر زُمَر.
نعم يقع هنا كلام وهو أنّه سبحانه يخبر عن حشر الناس أفواجاً، وفي آية أُخرى يخبر عن حشر الناس فُرادى، قال تعالى:(وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

1 . الدخان: 40 .         2 . المرسلات: 38 .
2 . الزمر: 68 .

صفحه 27
فَرْداً) 1، ولكن لا منافاة بينهما إذ للإنسان يوم القيامة مواقف مختلفة، فيُحشَر في موقف فرداً، ويحشر في موقف جمعاً، ويستفاد من بعض الآيات أنّ لكلّ فوج إماماً يَقدُمهم ويعيِّن مصيرهم، قال سبحانه:(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ)(2).
وقال تعالى في حقّ فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)(3).
19. (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً):
الظاهر أنّ معنى فتح السماء: شقُّها وانفطارها، وهو مظهر من مظاهر الانقلاب الكوني وانهيار النظام السائد، عند قيام الساعة، ويؤيّد هذا المعنى ما ورد في مواضع عديدة من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:(وَ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ)2، وقوله تعالى:(إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)(5)، وسيأتي مزيد توضيح عند تفسير سورة الانشقاق.
20. (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً) :
والتسيير وهو جعل الشيء سائراً أي ماشياً .
وقد مرّ أنّ السراب هو الموهوم من الماء، وبالرجوع إلى سائر الآيات التي وصفت مشهد الجبال عند وقوع أهوال يوم القيامة، مثل قوله تعالى:(يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً)(6)، وقوله تعالى:(وَ بُسَّتِ

1 . مريم: 95 .                  2. الإسراء: 71 .   3 . هود: 98 .
2 . الحاقة:16.                  5 . الانشقاق:1.   6. المزمل:14.

صفحه 28
الْجِبَالُ بَسًّا* فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)1، يتّضح أنّ هذه الجبال الشاهقة تصير بدكّها وتفرّق أجزائها وزوال شكلها كأن لم تكن جبلاً أو جبالاً. وسيأتي مزيد بيان عند تفسير سورة التكوير.
سورة النبأ: الآيات 21 ـ 30    

الآيات: الحادية والعشرون إلى الثلاثين

(إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَ لاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيًما وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً * وَ كُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً).

المفردات

مرصاداً: المكان الّذي يُرصد ويُراقب فيه العدو.
مآباً: المآب: المرجع، يقال: آب إلى مكانه أي رجع.
أحقاباً: الأحقاب جمع واحدها حقب أي زماناً طويلاً.
قال الراغب: هو جمع الحُقُب أي الدهر وقيل الحُقبة: ثمانون عاماً وجمعها حِقَب، والصحيح أنّ الحقبة مدة من الزمان مبهمة، وتدلّ عليه الآية التالية: قال سبحانه حاكياً عن موسى (عليه السلام)، قال: (لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ

1 . الواقعة:5 ـ 6.

صفحه 29
الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً )1.
وجه الدلالة: أنّ موسى لم يكن عالماً بزمان درك المطلوب، فلذلك استخدم كلمة الحقب أي الزمان المبهم، فإذاً لا وجه لتفسيره بالثمانين عاماً.
حميماً: الحميم، وهو الماء الحارّ الشديد الحرارة.
غسّاقاً: صديد أهل النار، وهو القيح، قال تعالى: (وَ يُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد)(2).
وفاقاً: الوَفْق: المطابقة بين الشيئين .
كِذّاباً: مصدر كذّب، وإنّما جاء على (فعّال) للمبالغة .
أحصيناه: الإحصاء هو التحصيل بالعدد، قال تعالى: (وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً)(3)، وربما يراد به هنا الحفظ، قال تعالى: (وَ كُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين)(4).

التفسير

ما بقي من آيات السورة إلى آخرها على مقاطع ثلاثة :
الأوّل: ما يصف مصير الطاغين وتعذيبهم ولبثهم في جهنم أحقاباً. ويتمّ هذا المقطع في الآية الثلاثين.
الثاني: ما يصف مصير المتّقين وجزاءهم وعطاء الله لهم، ويتم هذا المقطع في الآية السادسة والثلاثين.

1 . الكهف: 60 .      2 . إبراهيم: 16 .         3 . الجن: 28 .   4 . يس: 12.

صفحه 30
الثالث: ما يرجع إلى بيان أهوال القيامة، وقيام الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلاّ باذن الله تعالى.
وإليك تفسير آيات المقطع الأوّل.
يصف سبحانه مصير الطاغين بالآيات التالية ويقول:
1. (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً).
2. (لِلطَّاغِينَ مَآباً).
3. (لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً).
4. (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَ لاَ شَرَاباً).
وبذلك يتّضح مصير الطغاة الذين كانوا ينكرون البعث والمعاد، فلنرجع إلى تفسير الآيات.
21. (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً) :
المرصاد هو المكان الّذي يُختفى فيه للمراقبة، وحسب تعبير الراغب: المكان الّذي اختصّ بالرصد، وكأنّ جهنم بمجموعها مرصاد ـ من باب المبالغة ـ والذين يراقبون هم ملائكة الله تعالى، فعندما يعبر أحد الطاغين من جانب جهنم أو من فوقها ـ الّذي يعبَّر عنه بالصراط ـ والّذي يدل عليه قوله سبحانه: (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتًْما مَقْضِيًّا)1، يخرج

1 . مريم: 71 .

صفحه 31
من بالمرصاد ويأخذ الطاغي ويزجّ به في جهنم.
وإن شئت قلت: إنّ ظاهر الآية أنّ جهنم هي المرصاد فهي تميّز الطغاة عن الطائعين، فتأخذهم إليها.
22. (لِلطَّاغِينَ مَآباً) :
المآب: هو محلّ الرجوع، والمعنى المنزل والمقرّ، وقد وصف سبحانه جهنم بالمآب، لنكتة خاصّة، وهي أن القبائح والجرائم الّتي اقترفها الطغاة لها صورة دنيوية وصورة أُخروية فهم كانوا في جهنم وإن لم يشعروا بها، فإذا ماتوا وحُشروا وأُخذوا بالمرصاد، وزجّوا في جهنم، فقد آبوا إلى مآبهم ومقرّهم الأوّل.
23. (لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً) :
قد مرّ أن الأحقاب هو الزمان الطويل، فلو قلنا بظهورها بزمن طويل محدّد، فالآية تختص ببعض المذنبين من أهل جهنم ممّن لهم نجاة يوم القيامة، فيعاقبون فيها فإذا تطهروا يخرجون منها.
وفي بعض الروايات ما يؤيد ذلك:
روى العيّاشي باسناده عن حُمران قال: سألت أبا جعفر]الباقر[ (عليه السلام)عن هذه الآية، فقال: هذه في الذين يخرجون من النار 1 .
وأمّا لو قلنا بأن الحقبة هي مدّة من الزمان مبهمة، فعندئذ يصلح أن

1 . تفسير العياشي: 2 / 160 برقم 68 ; تفسير نور الثقلين: 5 / 495، برقم 26 .

صفحه 32
ينطبق على الخلود، ويكون كناية عن الدوام فيها والتأبيد، ويشهد على ذلك التعبير بالجمع، فكأنّه يقول: لابثين في جهنم حقباً بعد حقب بلا تحديد ولا نهاية، ويؤيد ذلك رواية حمران بن أعين قال: سألت أبا عبدالله]الصادق[ (عليه السلام)عن قول الله: (لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً...) قال: «هذه في الذين لا يخرجون من النار»1.
أمّا الجمع بين الروايتين، فإنْ قلنا بسقوط لفظة «لا» عن الرواية الأُولى، فالآية ناظرة إلى الكفّار الخالدين في النار، لقوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)(2) وإن قلنا بزيادة «لا» في الرواية الثانية، فالآية محمولة على فسّاق المسلمين.
24. (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً) :
والبرد ضد الحرّ وهو تنفيس لمن أصابه الحرّ، ويكون المراد منه النسيم البارد، والهواء المعتدل، بقرينة قوله: (وَلاَ شَرَاباً) أي ما يُشرب لإزالة العطش .
25. (إِلاَّ حَمِيًما وَ غَسَّاقاً):
ثم إنّه سبحانه استثنى من الشراب، أمرين:
1. الحميم: وهو الماء الشديد الحرارة.
2. الغسّاق: وهو صديد أهل جهنم .

1 . نور الثقلين: 5 / 494 برقم 23 .   2 . البيّنة:6.

صفحه 33
26. (جَزَاءً وِفَاقاً):
وكأنّ هناك مَن يسأل: لماذا يعذّب الطغاة هذه الأحقاب الطويلة؟ فوافاهم الجواب: أنّ ذلك (جَزَاءاً وِفَاقاً). أي جزاهم جزاءً موافقاً لعملهم في السوء والشناعة، مجانساً له.
وربما يُعلّل أنّهم ارتكبوا الذنب الأعظم وهو الشرك، فيُجزَون بعذاب أعظم وهو النار.
ويمكن أن يقال: إنّ ما يُجزَون به ليس إلاّ نفس أعمالهم الإجرامية الّتي ظهرت بوجود أُخروي، فخلودهم في النار أحقاباً ليس إلاّ صورة أُخروية لإنكارهم وأعمالهم وظلمهم وركوبهم رقاب الناس.
وبعبارة أُخرى: لو كانت العقوبة أمراً جعلياً كالعقوبات الدنيوية، كان للسائل أن يسأل عن وجه الوفاق، ويظن أنّ العقوبة أعظم ممّا يستحقّه على الذنب. وأمّا لو قلنا بأنّ عامّة العقوبات أو أكثرها أُمور أوجدها الطغاة بأنفسهم في الحياة الدنيوية وقد عادت بنفسها إلى القيامة وظهرت بثوبها الأُخروي، فلا موضوع للسؤال، وربما يدلّ على ذلك (كون الجزاء يوم القيامة نفس العمل الدنيوي المجسَّم بوجود أُخروي) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)1.
وبعدما أعلن القرآن عن طبيعة جزائهم، يكشف عن سبب نيلهم ذلك الجزاء، واستحقاقهم ذلك العذاب المهول، فيذكر أمرين:

1 . التحريم: 7 .

صفحه 34
27 ـ أ. (إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً):
أي: أنّهم كانوا يقترفون المعاصي ويرتكبون جرائم الأعمال دون أن يفكّروا أنّ يوماً باسم يوم الحساب ينتظرهم، ولم يكونوا يتوقعونه.
ومن المعلوم أنّ الاعتقاد بيوم الجزاء له تأثير في ردع النفس عن الوقوع في المعاصي، كما أنّ إنكاره له تأثير في إغراء النفس لأن تقع في هواها ومشتهياتها.
28 ـ ب . (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً):
ويحتمل أن يراد بالآيات ما دلّ من الدلائل الفطرية والعقلية على التوحيد، والمعاد، ونبوة الأنبياء، كما أنّه يحتمل أن يكون المراد بها الآيات القرآنية.
وحصيلة الكلام: أنّهم اقترفوا المنكرات من دون أن يفكّروا في الحساب، وأنكروا بقلوبهم دلائل الحق، ولذلك جوزوا بأعمالهم .
29. (وَ كُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً):
هو تتميم لما مرّ من الآيتين من أنّهم ما كانوا يرجون يوم الحساب وكذبوا بالآيات مع أنّا أحصينا كلّ ما صدر منهم من الجرائم والمعاصي في كتاب خاص، والظاهر أنّ المراد من الإحصاء هو الاحتفاظ.
وإنّما قال: (كِتَاباً) ولم يقل إحصاءً; لأنّ الإحصاء بالكتابة أقوى الإحصاء، وقد ورد عنهم(عليهم السلام)قولهم: «القلب يتكّل بالكتابة». وأمّا ما هو

صفحه 35
المراد من هذا الكتاب؟ وهل هو صحيفة أعمالهم أو غيرها؟ فالظاهر هو الأوّل .
30. (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً):
وفي هذه الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، حيث كانت الآيات المتقدّمة ناظرة إلى الطغاة بصيغة الغيبة، ولكنّه هنا خصّهم بالخطاب وقال: (فَذُوقُوا) و (فَلَنْ نَزِيدَكُمْ)، ولعلّ المراد من زيادة العذاب استمراره; قال الطبرسي: لأنّ كلّ عذاب يأتي بعد الوقت الأوّل فهو زائد عليه.1
والآية لا تخلو من ظهور في الخلود، وتكون قرينة على أنّ المراد من قوله: (لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً)هو الخلود، وقد روي عن عبدالله بن عمرو أنّه قال: لم ينزل على أهل النار آية أشدّ من هذه الآية .2
ولعلّ وجهه أنّ فيه تأييساً لهم من الخروج من النار.
إلى هنا تمت آيات المقطع الأوّل الّتي تضمنت بيان حال الطغاة يوم القيامة، وحان الآن بيان حال المتّقين يومذاك، وقد ذكره سبحانه في ضمن ست آيات.

1 . مجمع البيان: 10 / 276 .
2 . تفسير ابن كثير: 4 / 495

صفحه 36
سورة النبأ: الآيات 31 ـ 36    

الآيات: الحادية والثلاثون إلى السادسة والثلاثين

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَ أَعْنَاباً * وَ كَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَ كَأْساً دِهَاقاً * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ كِذَّاباً * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً) .

المفردات

مفازاً: محلّ الفوز والظفر، والمفاز مصدر ميمي بمعنى الفوز، أو اسم مكان من الفوز.
حدائق: الحديقة الجنّة المحوّطة، والجمع حدائق، ومنه: أحدق القوم بفلان إذا أحاطوا به.
كواعب: جمع كاعب وهي الجارية الّتي نهد ثدياها.
أتراباً: الأتراب جمع تِربْ، وهي المماثلة لغيرها.
دهاقاً: ملأى مُفعَمة، يقال: أدهقتُ الكأس فدهق.
لغواً: لغو الكلام.

التفسير

هذا هو المقطع الثاني المتضمّن لما يفوز به المتّقون من الجنات والنعيم، فيذكر أنّ ما يفوزون به عطاء من الله.
31. (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً):
المراد من المتّقين من يقي نفسه من المحارم، فالتقوى أمر وجودي

صفحه 37
وليس أمراً عدمياً، فكلّ إنسان يقي نفسه من ارتكاب المعاصي والمحرّمات فقد اتّقى، فكأنّ التقوى جُنّة في مقابل المحرّمات، فلهؤلاء فوز يوم القيامة ـ أعني: الثواب العظيم في جنات النعيم ـ ثم بيّن واقع الفوز أو مكانه (بناءً على أنّ المفاز مصدر ميمي)، وقال:
32. (حَدَائِقَ وَ أَعْنَاباً):
أي بساتين من مختلف الأشجار والأعناب، وخصّ الأعناب بالذكر لأنّها ممّا تشتهيه النفوس.
ثم وصف ما في هذه الحدائق من الجواري وقال:
33. (وَ كَوَاعِبَ أَتْرَاباً):
أي حوراً تكعّبت ثُديهنّ واستدارت مع ارتفاع يسير .
وقوله: (أَتْرَاباً) أي متساويات في السنّ والحُسن، فلا تكون النفس إلى إحداهن أميل منها إلى الأُخرى.
34. (وَكَأْساً دِهَاقاً):
فكما يتمتّعون بأنواع النعم، يشربون كأساً مترعة بخمر الجنّة.
نعم ثمّة فرق بين خمر الدنيا وخمر الجنة ، فالأُولى تفسد العقل وتوجد البغضاء، وأمّا خمر الآخرة ففيها لذة الخمر، ولكنّها خالية من أذاها وسوءاتها، لذا يصفها سبحانه بقوله: (بَيْضَاءَ لَذَّة لِلشَّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَ لاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ)1.

1 . الصافات: 46 ـ 47 .

صفحه 38
«لا» فيها (غَوْلٌ ): أي أنّها لا تغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها صداع ولا أذى في الرأس (وَ لاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ): أي يسكرون.
وأمّا ما هي حقيقة هذه الخمر فهي مجهولة لنا، ولا نقف عليها إلاّ بعد كشف حجب الغيب يوم القيامة، والوفود على الجنة إن شاء الله تعالى.
35. (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ كِذَّاباً):
أي كناية عن أنّهم حين يشربون لا يصدر منهم كلام لغو ولا يكذّب بعضهم بعضاً، خلافاً لخمر الدنيا فشاربها يتكلّم باللغو والهذيان وبما يكذّب بعضهم بعضاً.
وما ذلك إلاّ لأنّ الجنة منزل الأصفياء والأتقياء من الناس، وهؤلاء يستحيل عليهم الاشتغال بالكلام الفارغ، أو بالجدل الذي يصاحبه التكذيب، والذي يكدّر عليهم صفو هنائهم وسعادتهم، لأنّ من في الجنة يرى الحقائق على ما هي عليها، ومن ثمّ لا وجه لتكذيب أحدهم الآخر.
36. ( جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً) :
سورة النبأ: الآيات 37 ـ 40    
هذا هو في مقابل ما ورد في حق الطغاة، حيث قال في حقّهم: (جَزَاءً وِفَاقاً)، وقال في المقام: إنّه سبحانه يجازيهم بفضله وإحسانه: (عَطَاءً حِسَاباً)أي بحسب أعمالهم، فكلّ إنسان يُجزى على قدر عمله، من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، ثم سائر أخيار المؤمنين.1

1 . التبيان في تفسير القرآن:10/248.

صفحه 39
وقوله (عَطَاءً)يدلّ على أنّ الثواب من باب التفضّل لا الاستحقاق .
هذا هو المقطع الثاني وبقي المقطع الثالث، وهو ما تتناوله الآيات التالية.

الآيات: الأربعة الأخيرة من السورة

(رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَ يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً).

المفردات

خطاباً: الخطاب: الكلام الموجّه لحاضر.
صفّاً: الصفّ أن تجعل الشيء على خط مستو، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الصافّين.

صفحه 40
 
التفسير
37. (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً) :
بعد أن مرَّ في الآية السابقة قوله تعالى: (رَبِّكَ) وفيه تخصيص الربّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عاد في هذه الآية إلى بيان أنّ (رَبِّكَ) هو رب عالم الوجود الإمكاني وهو خالقهم وصاحبهم وليس في عالم الوجود إلاّ ربٌّ واحد، ثم وصفه بوصفين:
1. (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا)، فهو ربّ كلّ ما في الكون .
2. (الرَّحْمَنِ): عمّت رحمته كلّ شيء; المؤمن والكافر.
هذا على قراءة (رب) و(الرَّحْمَنِ) بالكسر، وأمّا على قراءة الرفع، فقوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ)خبر لمبتدأ محذوف أي: هو (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)ويكون (الرَّحْمَنِ) خبراً بعد خبر.
وفي وصف الربّ بالرحمن إشارة إلى سعة رحمته، وأنّ الطاغين إنّما حُرموا من رحمته لأنّهم خرجوا عن ثوب العبودية، فهم ( لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً)، أي لا يملكون خطاباً يخاطبوه به فيما فعل أو يفعل في حقّ المتّقين والطاغين، ولا خطاباً يطلبون به شيئاً من شفاعة وغفران أو مزيداً أو نقصاناً.
وقد دلّت غير واحدة من الآيات على أنّ الشفاعة لا تتحقّق إلاّ بإذنه،