welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 2*
نویسنده :جعفر الهادي*

مفاهيم القرآن / ج 2

مفاهيم القرآن

دراسة موسعة عن صيغة الحكومة الاسلامية واركانها وخصائصها وبرامجها

محاضرات الأستاذ العلامة المحقّق
جعفر السبحاني

بقلم

جعفر الهادي

الجزء الثاني

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ


(2)

مواصفات الكتاب

اسم الكتاب   مفاهيم القرآن

الجزء   الثاني

الموضوع   معالم الحكومة

المحاضر   جعفر السبحاني

بقلم   جعفر الهادي

الناشر   مؤسسة الإمام الصادق

الطبعة الرابعة   1413 هـ

الكمّية   3000 نسخة

المطبعة   مهر ـ قم


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

يشهد العالم الإسلاميّ ـ منذ سنوات قريبة ـ تعطُّشاً كبيراً من أبناء الأُمّة الإسلاميّة للتعرُّف على كنوز المعرفة في كتابهم الإلهيّ العظيم «القرآن الكريم».

وقد ازداد هذا التعطّش والشوق مع بزوغ القرن الخامس عشر الهجري، وما حقّقته تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته الربانيّة من انتصارات ساحقة على قوى الطغيان والشرِّ والظلام.

من هنا نجد الأيدي والقلوب تتلقّف كلَّ ما يصدر حول هذا الكتاب الإلهيّ الخالد من دراسات، لأنّهم وجدوا فيه مصدر عزَّتهم الغابرة، ورمز مجدهم التليد، ودستور حضارتهم الكبرى.

ومن هنا أيضاً; شهدت الموسوعة القرآنيّة «مفاهيم القرآن» ـ وهي من محاضرات الأُستاذ العلاّمة الشيخ جعفر السُّبحانيّ منذ الأيّام الأُولى من انتشار أوّل حلقة منها عام (1393 هـ ) ـ استقبالاً شديداً من القرّاء الكرام، وتشجيعاً وترحيباً كبيرين من أقطاب الفكر الإسلاميّ، وكبار أعلام التفسير والعلم، الذين عبّروا عن ذلك برسائلهم وكتبهم القيّمة، أو بالتشجيع الشفهيّ، وحثُّوا على مواصلة هذا المشروع القرآنيّ المفيد.

وقد جاءت الحلقة ـ هذه المرّة ـ لتُلبّي حاجةً شديدةً طالما أحسَّ بها المسلمون في أعماقهم; ألا وهي الحاجة إلى معرفة «الحكومة الإسلاميّة» والتعرّف على طبيعتها وتركيبتها ومناهجها على ضوء القرآن الكريم.


(4)

وليس بخاف على أحد أنّ إيقاف القرّاء الأعزّاء على الملامح الحقيقيّة للحكومة الإسلاميّة لم يكن بالأمر السهل بعد أن مضى على المسلمين زمن طويلٌ غاب عنهم فيه الوجه القرآنيّ الأصيل لهذه الحكومة في خِضمِّ الممارسات البعيدة عن روح القرآن.

ولهذا; سيقف القارئ الكريم بنفسه على مدى الجهود الضخمة، والمساعي المُضنية التي بُذلت لإخراج هذه الدراسة، واستجلاء صيغة الحكومة الإسلاميّة على ضوء القرآن الكريم، وما ورد في ذلك من السنَّة المطهّرة.

ولهذا نعتقد بأنّ القارئ الكريم سيولي هذا الكتاب اهتماماً خاصّاً، وسيجده ـربّما ـ أولى وأوسع دراسة في هذا الصعيد.

ونحن إذ نقدِّم هذا المجهود الذي هو حصيلة تلكُم الجهود الطويلة من البحث والتنسيق إلى كلِّ القوى الإسلاميّة المخلصة، التي تعمل وتجاهد الآن للإطاحة بالنُّظم الطاغوتيّة في البلاد الإسلاميّة، لإقامة نظام الحكومة الإسلاميّة فوق أنقاضها إظهاراً لدولة الحق، وإعلاءً لكلمة اللّه العليا.

وإذ نرى أنفسنا مَدينين لترحيب كبار رجال الفكر والعلم وتشجيعهم; فننشر هنا بعض رسائلهم وفاءً لجميلهم، وإحياءً لذكراهم; نرجو العليّ القدير أن يتقبَّل منّا هذا العمل، ويجعله خالصاً لوجهه إنّه سميعٌ مجيب.

الجامعة العلميّة الإسلاميّة في مدينة قم المقدّسة

جعفر الهادي

30/ شعبان /1401


(5)

كتابٌ كريم

من فقيد الإسلام سماحة العلاّمة الحجّة الشيخ مرتضى آل ياسين المتوفّى في ذي القعدة الحرام عام (1398 هـ) رحمه الله.

بسم الله وله الحمد وبه نستعين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

وبعد ; لا يخفى عليك أيّها القارئ الكريم أنّ هذا السِّفر الجليل الذي بين يديك مجموعة من بحوث قيّمة في القرآن الكريم قلّما تناولتها أقلام الباحثين من قبل إلاّت بنحو من الإجمال لا يكاد يروي من غلّة، أو يشفي من علّة، وفيه من الفوائد الرائعة ما يُشبع طرفاً كبيراً من نهمك العلمي، وذلك بما يعرض إليه من الشكوك والشبهات الدائرة حول العقائد الحقّة فينسفها نسفاً ببيان رصين لا يشذّ عنه الدليل والبرهان، هذا إلى استئثاره بمنهج من التفسير له طابعه الخاص الّذي يميّزه عن سائر التفاسير كما يبدو ذلك جلياً لكلّ من سرّح نظره فيه .

وليس من شك عندي أنّ الموهبة الإلهيّة الّتي مُنح بها مؤلف هذا الكتاب فضيلة العلاّمة العبقري الشيخ السُّبحاني ـ أيّده الله ـ هي الّتي آثرته بالتوفيق لإنجاز مثل هذا النتاج القيّم الّذي طالما تطلّعت إليه المكتبة الإسلاميّة لكي تسدّ به فراغاً لا يزال ماثلاً بين صفوفها منذ أمد بعيد. فإليه دام تأييده أُزجي تحيّتي، وتهنئتي تقديراً لجهوده، وتثميناً لمجهوده راجياً من المولى عزَّ شأنه أن يجعله ذخراً له في آخرته كما جعله فخراً له في دنياه والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته.

مرتضى آل ياسين

7 / 3 / 1394 هـ


(6)

تقييمٌ وتقدير

من فقيد الإسلام المفكّر الكبير آية الله العظمى الشهيد السيد محمّد باقر الصّدر ـ قدّس سرّه ـ (1).

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ جعفر سبحاني متّعنا الله تعالى بوجوده الشريف.

السلام عليكم زِنَة شوقي إليكم وتقديري لكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد ; فقد تسلّمت بالأمس بواسطة السيّد الفاضل أحمد العلوي البحريني قَبَسكم الهادي المشعّ بمفاهيم القرآن الكريم، وهو كما ذكرتم بحقّ منهجٌ جديدٌ في تفسير القرآن الكريم على الصعيد الإسلاميّ، وفي حدود ما اتّسعت له النظرة الأُولى خلال هذا اليوم وجدت علماً غزيراً واطّلاعاً واسعاً وعمقاً في البحث والاستنتاج، وعشت فترةً سعيدةً مع الكتاب الجليل ذكّرتني باللقاء السابق مع سماحتكم وما خلّفه ذلك اللقاء من أعمق الانطباعات وأرسخ المشاعر، ولئن كنت أشعر باستمرار باعتزاز كبير بشخصيّتكم العلميّة المجاهدة; فإنَّ هذه النفحة القرآنية الجديدة، أكّدت هذا الاعتزاز وجسّدت بعض الآمال المعقودة عليكم، وسوف أُحاول في فرصة أوسع أن أستوعب قدراً معتدّاً به من بحوث الكتاب الجليلة وأُسجّل لكم ما قد يحصل من انطباعات.

حفظكم الله تعالى مناراً للعلم وسنداً للدّين الحنيف والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمّد باقر الصّدر

غرّة شعبان 1395


1- استشهد ـ قدّس سرّه ـ في رجب عام (1400 هـ) .

(7)

إكبارٌ وتشجيع

من رائد الفكر الإسلامي فقيد الأُمّة العلاّمة الشيخ محمّد جواد مغنيّة ـ رحمه الله ـ .

بسم الله الرّحمن الرّحيم

فضيلة الأخ العلاّمة الكبير الشيخ جعفر سبحاني ـ دام ظلّه ـ بعد السلام والاحترام ; أشكر هديّتكم السنيّة الغنيّة: التفسير الموضوعي للقرآن الكريم هذا السِّفر المَعلَم القيّم في سموّ مطالبه وعلوّ صاحبه، الجديد في بابه أو موضوعه، لقد جمع الآيات المتشابكة المتعاضدة على إرساء فكرة واحدة، وأرانا بأُسلوبه السهل: كيف ينطق بعضها ببعض توضيحاً وتحديداً حتّى عالج الكثير من الصعاب التي تخطّاها السابق واللاحق عن قصد أو غير قصد... ولا بِدْعَ أن يتصدّى لها شيخنا الأجلّ فقد توفّرت فيه كلُّ الشروط، وتكاملت كلُّ الصفات الّتي يتطلّبها هذا الميدان الصعب المستصعب .

محمّد جواد مَغنيَّة

ج 2 / 1396 هـ

شكر واعتذار

لقد وردت إلينا رسائل أُخرى من الشخصيّات العلميّة البارزة تشجّعنا على هذا المشروع، فنحن إذ نشكرهم شكراً جميلاً وجزيلاً ; نرفع إليهم الاعتذار لعدم نشر ما كتبوه بأقلامهم الشريفة في هذا الجزء، ونرجو نشرها في الجزء الثالث من هذه الموسوعة الّذي هو جاهزٌ للطبع أيضاً .


(8)

(9)

مقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

بدأ القرن الرابع عشر الهجريّ بيقظة المسلمين وقد بذل علماء الإسلام ومفكّروه جهوداً عظيمةً وجبارةً بالقلم تارةً، وباللسان اُخرى، وبتحمُّل المَشاقّ الجسيمة، والصعوبات المُضنية لإيقاظ الأُمّة الإسلاميّة من رقْدتها العميقة، وذكروا ـ بالإجماع ـ بأنّ استعادة مجد الإسلام لا تُمكن إلاّ بالعودة إلى القرآن، والوقوف على حقائق الدّين النّابضة بالحياة، والعمل بالكتاب العزيز.

ومن هذا المنطلق; ظهرت ـ في عصورنا ـ جهودٌ قيّمة في مختلف نقاط البلاد الإسلاميّة لمعرفة القرآن الكريم والتعريف بمفاهيمه، و هي جهودٌ تستطيع أن تفتح الطريق أمام المتعطّشين لمعرفة هذا الكتاب الإلهيّ الخالد في القرن الحاضر.

والآن بعد أن بدأت الأُمّة الإسلامية تتحرَّر في مطلع القرن الخامس عشر الهجريّ وراحت تخرج من رِبْقة الإستعمار البغيض، و تتخلّص من قيود الإستكبار العالمي ازداد تعطّش الشباب خاصّةً، إلى «القرآن»، وهي ظاهرة ملموسة ومحسوسة في أكثر البلاد الإسلاميّة.

نعم لمّا كانت بعض البلاد الإسلاميّة لاتزال ترزح تحت نير الاستعمار


(10)

وتُعاني من قيوده; فإنَّ طرح الكثير من الجوانب الثوريّة والحيويّة من الإسلام بات ممنوعاً أو مستحيلاً، فيكتفى في تلك البلاد بقراءة القرآن وتجويده دون أنْ يصلَ الناس إلى نتيجة مطلوبة من هذا السِّفر الإلهيّ العظيم.

ففي بعض هذه البلاد التي لاتزال تعيش في قيود الاستعمار ـ باطناً ـ تُقام المؤتمرات السنويّة الضّخمة لمعرفة (أجود مقرئ للقرآن) ويشترك فيها قرّاء من مختلف البلاد الإسلاميّة، ثمّ يتمُّ اختيار أجود قارئ حسب معايير خاصة ليست بغريبة عن السياسات الحاضرة غالباً ، ولكن دون أن تقوم أيّة مؤتمرات بصدد التعريف بمفاهيم القرآن، أو جدوَلة موضوعاته أو الحصول على طرق جديدة للتفسير أكثر عطاءً; للوقوف على حقائق هذا الكتاب السماويّ وبيّناته وبصائره، حتّى أنّني عندما اشتركت على رأس هيئة في أحد هذه المؤتمرات المعقودة لاختيار أفضل قارئ طرحت هذا الموضوع على وزير الأوقاف في البلد المضيِّف وقدّمت له اقتراحاً مكتوباً بهذا الصدد ولكن دون أن أجد منه ترحيباً بالاقتراح، والعلّة واضحةٌ والسبب معلوم.

إنّنا بحكم واجبنا الدّينيّ الذي يقضي بأنّ تكون الجهود العلميّة موافقةً للاحتياجات الحاضرة، ركّزنا قسماً كبيراً من نشاطاتنا العلميّة والفكريّة ـ طوال عشرين عاماً منصرمات ـ على دراسة القرآن الكريم واستجلاء حقائقه واستقصاء معارفه ومسائله، وقد حقّقنا ـ في هذا السبيل ـ نجاحاً كبيراً والحمد للّه.

وقد كان نتيجة ما حققناه ـ طوال هذه السنين ـ هو عرض نمط جديد للتفسير لم يكن له مثيلٌ فيما كتبه المفسّـرون في هذا المضمار وهو تفسير القرآن حسب الموضوعات، مستعينين في تفسير الآيات بنفس الآيات، وكشف معضلاتها بمشابهاتها.


(11)

وقد طُبع ـ إلى الآن ـ سبعة أجزاء من هذا التفسير لقيت ترحيباً كبيراً من قبل العلماء والمفكّرين المهتمّين بهذا النوع من البحوث القرآنيّة.

هذه الدّراسة

وما يراه القارئ في هذه الدراسة هو نتيجة ما ألقيناه على فضلاء الجامعة الدينيّة في قم المشرّفة من ذلك النَّمط التفسيريّ الجديد.

ولمّا انتهى البحث في الجزء الأوّل إلى التوحيد في الحاكميّة، وقلنا: إنّ الحاكميّة مختصّةٌ باللّه سبحانه، وذكرنا أنّ اختصاص الحكومة باللّه لاتعني اختصاص الإمرة به سبحانه، فلأجل ذلك ; جعلنا محور البحث في هذا الجزء رفع الستار عن صيغة الحكومة الإسلاميّة نزولاً عند رغبة أكثر القرّاء من الشباب حيث ازداد تعطّشهم إلى معرفة الحكومة الإسلاميّة، تلك الناحية الحسّاسة من النظام الإسلاميّ التي أُهملت في القرون الغابرة، بياناً ، و تأليفاً.

شكر و تقدير

وقد تمّ تنسيق و تأليف محتويات هذا الجزء بواسطة الكاتب الإسلاميّ الفاضل الشيخ جعفر الهادي الذي بذل جهداً كبيراً في تحرير هذه البحوث وتنظيمها وصبّها في ثوب قشيب من التعبير، وكأنّه بذلك أفاض عليها حياةً جديدة.

وإنّني إذ أشكر ـ بإخلاص ـ جهوده المضنية في هذا الصعيد، أسأل اللّه تعالى أن يوفقه لتحقيق الأهداف الإسلاميّة العليا ويأخذ بيده لخدمة الفكر الإسلاميّ العظيم.


(12)

على أنّنا نُذكِّر القرّاء الكرام بأنّنا لاندّعي أبداً بأنّ عملنا ـ هذا ـ عمل متكاملُ الأركان، عار عن النقصان، وأنّنا في غنىً عن النقد البنّاء والاعتراض الهادف السليم.... ولهذا; فإنّنا نرحّب بكلّ نقد في هذا المجال، ونتلقّاه برحابة صدر آملين أنْ يُتحفنا الإخوة بما يرونه مفيداً وضرورياً لنزيد من كمال هذا المجهود فيتحقّق الهدف، ويحصل المطلوب، واللّه من وراء القصد.

جعفر السبحاني

5/شعبان/ 1403 هـ.


(13)

الفصل الأوّل

1

الحكومة

حاجة طبيعيّة وضروريّة

الحديث عن الحكومة الإسلاميّة من المسائل التي تطرح نفسها اليوم بشدّة على أذهان الناس في المجتمع الإسلامي، وتستقطب اهتمامهم في كلّ مكان.

ولقد استوفينا الكلام حول لزوم وجود الحكومة، وضرورة استقرارها وقيامها في الحياة البشريّة عامّةً، وفي المجتمع الإسلامي خاصّةً، وذلك عند دراسة «التوحيد في الحاكميّة» الذي كان آخر فصل لكتابنا : «معالم التوحيد في القرآن الكريم».

ونرى هنا ـ لدى البحث عن معالم الحكومة الإسلاميّة ـ أن نعيد الكرّة على ما ذكرناه هناك باختصار فنقول:

إنّ ضرورة قيام الحكومة ووجود الدولة في الحياة البشريّة ليست أمراً تقتضيه وتؤكّده الحياة المعاصرة التي اشتدّت فيها الحاجة إلى الحكومة فحسب; بل كانت موضع تأكيد كبار الفلاسفة والمفكّرين في التاريخ القديم أيضا.


(14)

فها هو «أرسطو» كبير الفلاسفة القدامى وزعيمهم يقول:

«إنّ الدولة من عمل الطبع، وإنّ الإنسان بالطبع كائن اجتماعيّ، وإنّ الذي يبقى متوحّشاً ـ بحكم النظام لا بحكم المصادفة ـ هو على التحقيق إنسان ساقط أو إنسان أسمى من النوع الإنسانيّ»(1).

فإذن; تعتبر الدولة ـ حسب رأي أرسطو ـ حاجة طبيعيّة تقتضيها الفطرة الإنسانيّة بحيث يعدُّ الخارج على الدولة ونظامها وتدبيرها إمّا متوحّشاً ساقطاً، أو موجوداً يفوق النوع الإنساني، ويخلو عن الطبيعة البشريّة.

وها هو «أفلاطون» يرى : «أنّ أفضل حياة للفرد لا يمكن الحصول عليها إلاّ بوجود الدولة، لأنّ طبيعة الإنسان م آلها إلى الحياة السياسيّة، فهي من الاُمور الطبيعيّة التي لا غنى للناس عنها»(2).

وهذا هو ابن خلدون يستدلُّ على ضرورة وجود الدولة والحكومة بضرورة الاجتماع الإنساني التي يعبّر عنها في اصطلاح الحكماء بعبارة : «أنّ الإنسان مدنيّ بالطبع».

ثمّ يستدلُّ على ذلك حتى ينتهي إلى إثبات ضرورة إيجاد الحكومة والدولة(3).

وأمّا من المفكّرين المعاصرين; فيكتب ثروت بدوي : «إنّ أوّل مقوّمات النظام السياسيّ هو وجود الدولة، بل إنّ كلّ تنظيم سياسيّ للجماعة يفترض وجود الدولة، حتّى أنّ البعض يربط بين مدلول السياسة وفكرة الدولة، ولايعترف بصفة الجماعة السياسيّة بغير الدولة»(4).

هذا وما جاء في الإسلام و ورد من نصوص وسيرة أكثر دلالةً، وأقوى برهنةً على لزوم إيجاد الدولة في الحياة البشريّة، من أيّ دليل آخر.


1- السياسة:96 ترجمة أحمد لطفي.
2- الجمهوريّة بتلخيص.
3- مقدّمة ابن خلدون:41 ـ 42.
4- النُّظم السياسيّة:1ـ 7 .


(15)

أمّا السيرة فيكفي النظر إلى حياة الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وسيرته الشريفة للوقوف على هذه الحقيقة.

المؤسّس الأوّل للحكومة الإسلاميّة:

فمن تتبّع تلك السيرة الشريفة وجد كيف أنّ الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أقدم بمجرّد نزوله في المدينة المنوّرة على تأسيس الدولة بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وكيف مارس كلّ ماهو من شأن الحاكم السياسي من تشكيل جيش منظّم، وعقد معاهدات ومواثيق مع الطوائف الاخرى، وتنظيم الشؤون الإقتصاديّة والعلاقات الإجتماعيّة ممّا يتطلّبه أيُّ مجتمع منظّم ذو طابع قانونيّ، وصفة رسميّة وصيغة سياسيّة، واتخاذ مركز للقضاء والإدارة ـ وهو المسجد ـ ووضع رواتب وتعيين مسؤوليات إداريّة، وتوجيه رسائل إلى الملوك والامراء في الجزيرة العربيّة وخارجها، وتسيير الجيوش والسرايا وبذلك يكون الرسول الأعظم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أوّل مؤسّس للدولة الإسلاميّة التي استمرّت من بعده، واتّسعت، وتطوّرت وتبلورت، واتّخذت صوراً أكثر تكاملاً في التشكيلات والمؤسّسات وإن كانت الاسس متكاملةً في زمن المؤسّس الأوّل صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

إنّ من يراجع التاريخ النبويّ يلاحظ ـ بجلاء ـ أنّ النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان منذ بداية بعثته الشريفة وحياته الرساليّة بصدد تأسيس الحكومة، وإقامة الدولة.

وقد تمّ ذلك في مرحلتين كانت المرحلة الاولى في مكة، والاخرى في المدينة.

ففي مكة ـ يوم لم يكن مأموراً بالظهور والإعلان عن دعوته ـ قام بتأسيس الحزب السريّ ـ إن صحّ هذا التعبير ـ حيث أخذ في إعداد وبناء الأفراد الصالحين، وتوفير الكوادر المؤمنة عن طريق الاتّصالات الخاصّة واللقاءات السّريّة.

ثمّ بعد أن امر باعلان رسالته لقوله سبحانه: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَاَعْرِضْ عَنِالْمُشْرِكِينَ *إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِيِنَ )(الحجر : 94 و 95)، راح الرسول الأكرميلتقي بقادة القبائل ورؤساء الوفود الآتية إلى مكّة يدعوهم الى دينه، والانضمام


(16)

إلى جماعته; وكان من أبرز ما فعله على صعيد التهيئة العامّة لإقامة حكومته المرتقبة; عقد البيعة مع بعض الوفود القادمة من أنحاء الجزيرة إلى مكة، وأخذ العهد منهم على نصرته ودعم ما ينشد إقامته في ظرفه المناسب كما تمّ ذلك في بيعتي العقبة الاولى والثانية(1).

وعندما هاجر إلى المدينة، وسنح له الظرف المناسب باشر بتأسيس أوّل حكومة إسلاميّة وبذل في ذلك أكبر مجهود بعد أن مهّد لها بعقد ميثاق الاخوّة بين أصحابه من الأنصار والمهاجرين، وإقامة مسجد جعله مركزاً لتجمّع المسلمين وموضعاً لعملياته ونشاطاته الاجتماعيّة والسياسيّة.

وقد تجلىّ العمل السياسيّ الذي قام به النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والذي يدلُّ على أنّه كان أوّل من أقام حكومة إسلاميّة وبنى قواعدها; أنّه كان يباشر اُموراً هي من صميم العمل السياسي والنشاط الاداري الحكومي ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

1ـ أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عقد بين أصحابه وبين الطوائف والقبائل الاخرى المتواجدة في المدينة كاليهود وغيرهم اتفاقيةً وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلاميّة، وقد ذكرنا بنودها في هذا الفصل من كتابنا هذا.

2ـ أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم جهّز الجيوش وبعث البعوث العسكريّة والسرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم وقام بمناورات عسكريّة لإرهاب الخصوم.. وقد ذكر المؤرّخون أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم خاض أو قاد خلال 10 أعوام من حياته المدنيّة 85 حرباً.

3 ـ بعد أن استتبّ له الأمر في المدينة وما حولها وأمن جانب مكّة وطرد اليهود من المدينة وماحولها وقلع جذورهم وقضى على مؤامراتهم، توجّه باهتمامه إلى خارج الجزيرة، وإلى المناطق التي لم تصل إليها دعوته ودولته من مناطق الجزيرة، فراح يراسل الملوك والامراء يدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظلّ دولته والقبول


1- راجع السيرة النبويّة 1:431 و 467، وإعلام الورى.

(17)

بحكومته الإلهيّة.

فراسل قيصر ملك الروم.

و كسرى ملك إيران وامبراطورها.

و المقوقس عظيم القبط في مصر.

والنجاشيّ ملك الحبشة.

وكبار قادة الشام واليمن وغيرهم من الامراء والملوك ورؤساء القبائل الكبيرة.

وربّما وقّع مع بعضهم المعاهدات، وأقام بعض التحالفات العسكريّة والسياسيّة والمعاهدات الإقتصاديّة(1) كما ستعرف ذلك.

وقد جمعت أكثر هذه الرسائل و المواثيق في كتب خاصّة أمثال( الوثائق السياسيّة) تأليف البروفسور محمد حميد اللّه الاستاذ بجامعة باريس و(مكاتيب الرسول) وإليك نماذج من هذه الرسائل والمكاتيب السياسيّة:

كتابه إلى ملك عمان والأزد، جيفر وعبد ابني الجلندي :

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من محمّد بن عبد اللّه إلى. .

سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد; فإنّي أدعوكم بدعاية الإسلام، أسلما تسلما. إنّي رسول اللّه إلى الناس كافّةً لأ نذر من كان حيّاً ويحقّ القول على الكافرين. إنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرّا بالإسلام فإنّ ملككما زائل عنكما، وخيلي تحلُّ بساحتكما، وتظهر نبوّتي على ملككما»(2).

وكتابه لرفاعة بن زيد الجذاميّ أحد امراء الجزيرة :

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا كتاب من محمّد رسول اللّه لرفاعة بن زيد: إنّي قد بعثته إلى قومه عامّة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى اللّه ورسوله، فمن أقبل منهم ففي


1- على نحو ما فعل مع أهل اليمن ( راجع تاريخ اليعقوبي 2:64).
2- المواهب اللدنيّة 3:440، السيرة الحلبيّة 3:284، أعيان الشيعة 2:14 ومكاتيب الرسول:147.


(18)

حزب اللّه وحزب رسوله ومن أدبر فله أمان شهرين»(1).

ومن رسالته إلى اسقف نجران :

«بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمّد النبيّ رسول اللّه إلى أسقف نجران: أسلم أنتم(أي أنتم سالمون إذا أسلمتم) فإنّي أحمد اللّه إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية اللّه من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام»(2).

4ـ أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعث السفراء والمندوبين السياسيين إلى الملوك والزعماء.

قال الاستاذ عبد اللّه عنّان عن هذه السفارات النبويّة: «كانت هذه السفارات والكتب النبويّة عملاً بديعاً من أعمال الدبلوماسيّة، بل كانت أوّل عمل قام به الإسلام في هذا الميدان.

إن ّ هذه الدبلوماسيّة الفطنة التي لجأ إليها النبيُّ في مخاطبة الملوك في عصره لم تذهب كلُّها عبثاً كما رأينا»(3).

5ـ أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم نصب القضاة وعيّن الولاة، وأعطاهم برامج للإدارة والسياسة فأوصاهم فيما أوصاهم بتعليم أحكام الإسلام، ونشر الأخلاق والآداب التي جاء بها الإسلام، وتعليم القرآن الكريم، وجباية الضرائب الإسلاميّة كالزكاة وإنفاقها على الفقراء والمعوزّين وما شابه ذلك من المصالح العامّة، وفصل الخصومات بين الناس وحلّ مشاكلهم والقضاء على الظلم والطغيان. . وغير ذلك من المهام والصلاحيّات والمسؤوليّات الإداريّة والاجتماعيّة.

وبالتالي لقد كان النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يعمل كلّ ما يعمله الساسة وأصحاب السلطات


1- السيرة الدحلانيّة على هامش السيرة الحلبية 3:131.
2- البداية والنهاية 5:53 والدرّ المنثور 2:38 وبحار الأنوار 6:9 الطبعة القديمة.
3- مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام :208.


(19)

اليوم، ولكن يفعل كلّ ذلك وفق منهج السّماء، فكان يقوم بالعزل والنّصب، والمراسلة وعقد الأحلاف، وتوقيع الوثائق السياسيّة والعسكريّة والإقتصاديّة حسبما تقتضيها المصلحة الإسلاميّة والاجتماعيّة في عصره وضمن تشكيلات بسيطة. .

هذا مضافاً إلى أنّ من طالع سورة الأنفال والتوبة ومحمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يلاحظ كيف يرسم القرآن فيها الخطوط العريضة لسياسة الحكومة الإسلاميّة وبرامجها ووظائفها. . فهي تشير إلى مقوّمات الحكومة الإسلاميّة الماليّة، واسس التعامل مع الجماعات غير الإسلاميّة، ومبادئ الجهاد والدفاع وبرامجها، وتعاليم في الوحدة الإسلاميّة التي تعتبر أقوى دعامة للحكومة الإسلاميّة. . وكذا غيرها من السور والآيات القرآنيّة، فهي مشحونة بالتعاليم والبرامج اللازمة للحكومة والدولة.

وهذا يكشف عن أنّ النبيّ( محمّداً ) صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان أوّل مؤسّس للحكومة الإسلاميّة وأنّ أوّل حكومة إسلاميّة هي التي أقامها وأوجدها النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في المدينة المنورة بعد أن مهّد لها في مكّة.

على أنّ هذه الحكومة ـ كما قلنا ـ وإن لم تكن من حيث التشكيلات والتنظيمات الإداريّة على النحو المتعارف الآن، إلاّ أنّها كانت على كلّ حال تمثّل حكومةً كاملة الأركان، ودولةً كاملة السّمات والملامح.

وهذا يعني أنـّه لابدّ أن تكون للحكومة الإسلاميّة أركان ومؤسّسات وتشكيلات للقيام بمثل ما كان يقوم به النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حسب ما تقتضيه طبيعة عصرنا الحاضر. .

وكلُّ هذا يتّضح من مطالعة ما دوّن حول السيرة النبويّة من كتب تأريخيّة على أيدي مؤرّخين من القدماء; مثل سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وتاريخ الكامل للجزريّ والإرشاد للمفيد وكشف الغمّة للأربلّي، ومن المتأخّرين; مثل كتاب تاريخ الإسلام السياسيّ(1)، وغير ذلك من المؤلّفات التاريخيّة المختصرة والمفصّلة.


1- تأليف الكاتب المعاصر الدكتور حسن إبراهيم حسن استاذ التاريخ الإسلاميّ بجامعة القاهرة.

(20)

ثمّ إنّ نظرةً اخرى إلى الدين الإسلاميّ نفسه تشهد بأنّ الأحكام والمناهج الإسلاميّة تقتضي ـ بنفسها ـ قيام مثل هذه الدولة وذلك من جهتين :

الاُولى: أنّ الإسلام يدعو ـ في أكثر من نصّ ـ إلى الوحدة بين أبنائه وأتباعه، وينهى عن التشتُّت والفرقة والاختلاف حتّى عرف الإسلام بأنّه بني على كلمتين: «كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة» قال القرآن الكريم: ( وَأنّ هَذَا صِراطِى مُسْتَقِيمَاًَ فَاتّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)(الأنعام: 153).

وقال تعالى: (وَاعْتصِمُواْ بحَبْلِ اللّهِ جميعاً وَلا تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ اَعْدَاءً فَأَلّـفَ بَيْنَ قُلُـــوبِكـُمْ فَأَصْبَحْتُـــمْ بِنِعْمَتـــِهِ إِخْـــوَاناً)(آلعمران:103).

وقال تعالى: (إِنّما الْمُؤمِنُونَ إِخْوةٌ )(الحجرات: 10).

وقال تعالى: ( وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِِهِمْ لَوْ اَنْفَقْتَ ما فِى الأرْضِ جَمِيعاً مَا أَلّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنّ اللّهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ إِنّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(الأنفال: 63).

فإنّ اللّه يمنُّ على النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه وحّد بهداه قومه، وهو يعني أنّ التوحيد ورصّ الصفوف هو غاية الإسلام الأكيدة.

إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن أنّ القرآن يريد وحدة الاُمّة الإسلاميّة.

ولذلك قال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من أتاكم وأمركم جميع( مجتمع) على رجل واحد، يريد ان يشقّ عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه»(1).

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أيضاً: «مثل المؤمن من المؤمن كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً»(2).

وقال الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ في هذا الصّدد: «والزموا السّواد الأعظم،


1- أخرجه مسلم في صحيحه كما في جامع الاُصول في أحاديث الرسول 3:48.
2- مسند أحمد 4:404 ورواه غيره من أصحاب الصّحاح والسُّنن.


(21)

فإنّ يد اللّه على الجماعة وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من النّاس للشّيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب ألا من دعا إلى هذا الشّعار فاقتلوه، ولو كان تحت عمامتي هذه»(1).

وقال ـ عليه السلام ـ في حديث آخر: «من فارق جماعة المسلمين ونكث صفقة الإمام جاء إلى اللّه عزّ وجلّ أجذم»(2).

وقال الإمام الصادق جعفر بن محمّد ـ عليه السلام ـ: «من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»(3).

إلى غير ذلك من النصوص الإسلاميّة الداعية إلى رصّ الصفوف، وتعميق الوحدة، وجمع الكلمة، ومن المعلوم أنّ ذلك لا يمكن ان يتحقّق إلاّ بوجود دولة وجهاز يؤلّف بين الآراء ويجمع الكلمة، ويوفّق بين المصالح، ويحافظ على العلاقات، ويعيد الشاذّ إلى رشده والخارج إلى صفّه، إذ لولا ذلك الجهاز(الدولة) لذهب كلُّ فريق مذهباً، واتّخذت كلُّ جماعة طريقاً، وتمزّق المجتمع أشتاتاً، وعادت الوحدة اختلافاً وتفرقة.

وصفوة القول: أنّ الدولة عامل الوحدة ورمز الت آلف، بقدر ما هي طاردة للفرقة، وما نعة عن التخالف.

الثانية: أنّ ملاحظة ذات القوانين الإسلاميّة في مختلف المجالات الحقوقيّة والاجتماعيّة والماليّة تفيد أنّ طبيعتها تقتضي وجود الدولة.

فالإسلام الذي دعا إلى الجهاد والدفاع، ودعا إلى إجراء الحدود والعقوبات على العصاة والمجرمين ودعا إلى انصاف المظلوم، وردع الظالم، وسنّ نظاماً خاصاً وواسعاً للمال.

إنّ الدعوة إلى كلّ هذه الأحكام تدلُّ ـ بدلالة التزاميّة ـ على أنّ اللّه قد فرض وجود دولةً قويةً تقوم بإجرائها في المجتمع.

إنّ الإسلام ليس مجرد أدعية خاوية أو طقوس ومراسيم فرديّة يقوم بها كلُّ فرد في


1- نهج البلاغة الخطبة 123 طبعة عبده.
2- الكافي 1:405 كتاب الحجة.
3- الكافي 1:405 كتاب الحجة.


(22)

بيته ومعبده، بل هو نظام سياسيّ وماليّ وحقوقيّ واجتماعيّ واقتصاديّ واسع وشامل، وما ورد في هذه المجالات من قوانين وأحكام تدلُّ بصميم ذاتها على أنّ مشرّعها افترض وجود حاكم يقوم بتنفيذها ورعايتها. لأنّه ليس من المعقول سنُّ مثل هذه القوانين دون وجود قوة مجرية وسلطة تنفيذيّة تتعهد إجراءها وتتولّى تطبيقها، مع العلم بأنّ سنّ القوانين وحده لايكفي في تنظيم المجتمعات.

ولقد استدلّ السيد المرتضى على لزوم الحكومة ببيان لطيف هذا حاصله: «إنّ بقاء الخلق يتوقّف على اُمور منها الأمر والنهي. قال اللّه تعالى ( يَا أَيٌّها ألّذينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَ لِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْييِكُمْ )(الأنفال : 24)، وفسّر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولقوله سبحانه: (وَلَكُمْ فِى القَصَاصِ حَياةٌ يَاأُولِى الألْبَابِ )(البقرة: 179)، فصار الأمر بالمعروف هنا المتمثّل في الاقتصاص من القاتل مبدءاً للحياة.

فإذا كان الأمر والنهي كما توحي هذه الآيات مبدءاً للحياة; وجب أن يكون للناس إمام يقوم بأمرهم ونهيهم، ويقيم فيهم الحدود، ويجاهد فيهم العدو، ويقسّم الغنائم، ويفرض الفرائض ـ أبواب مافيه صلاحهم ـ ويحذّرهم عمّا فيه مضارّهم. . ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب بقاء الخلق. . فوجبا وإلاّ سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع أحد، ولفسد التدبير، وكان ذلك سبباً لهلاك العباد»(1).

هذا هو ماتفيده النظرة إلى الأحكام والتشريعات الإسلاميّة التي لم تنزّل إلاّ للتنفيذ، ولم تشرّع إلاّ للتطبيق.

أمّا النصوص الإسلاميّة المصرّحة بضرورة قيام الدولة ووجودها فهي أكثر من أن تحصى، وقد مرّ في الجزء الأوّل قسم منها ونشير هنا إلى ما لم نشر إليه هناك:

قال الإمام عليّ بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ في حديث طويل حول ضرورة وجود


1- المحكم والمتشابه للسيد المرتضى:50.

(23)

الحكومة في الحياة البشريّة: «إنّا لانجد فرقةً من الفرق ولا ملّةً من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لا بدّ لهم منه في أمر الدّين والدُّنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق لما يعلم أنّه لابدّ لهم منه، ولاقوام لهم إلاّ به فيقاتلون به عدوّهم ويقسّمون به فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم» (1).

وقد بلغت أهمية الدولة والحكومة في نظر الإسلام حداً جعلت هي السبب الأساسيُّ في صلاح أو فساد الاُمّة، حيث قال النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «صنفان من أمّتي إذا صلحا صلحت أمّتي، وإذا فسدا فسدت امّتي...».

قيل: يا رسول اللّه ومن هم ؟

قال: «الفقهاء والامراء» (2).

إنّ ضرورة وجود الدولة والحكومة في الحياة البشريّة الاجتماعيّة بديهيّة جداًعقلاً وشرعاً وتاريخيّاً بحيث لا تحتاج إلى سرد المزيد من الأدلة والاستشهادات ولذلك نكتفي بهذا القدر.

***

ولأجل هذه الأهمية التي تحظى بها الحكومة الإسلاميّة يتعيّن على علماء الإسلام أن يبذلوا غاية الجهد في توضيح معالمها ومناهجها وخطوطها وخصائصها في جميع العصور و العهود.

وسوف نذكر أنّ هذه الناحية الحسّاسة من حياتنا الاجتماعيّة قد أهملت في أكثر القرون كتابةً وتحقيقاً و دراسةً.

نماذج من الوظائف الحكوميّة في الأحاديث

لم يكن وجود( الحكومة ) ووظائفها في النظام الإسلاميّ بدعاً يمكن أن يدّعيه


1- علل الشرائع:253،الحديث مفصّل وجدير بالمطالعة.
2- تحف العقول:42.


(24)

أحد بدون دليل في القرآن أو السُّنّة.

فمن يطالع الأحاديث والأخبار الواردة عن النبيّ والأئمّة الطاهرين يجد سلسلةً من الوظائف المخوّلة إلى( الإمام ) وهو يدلُّ بالدلالة الإلتزاميّة على وجود الحكومة في النظام الإسلاميّ، وأنّ الأئمّة كانوا يعتبرون وجود الإمام والحاكم أمراً مفروضاً ولذلك كانوا يعتبرون هذه الاُمور من وظائف الحاكم.

وبالتالي; أنّ ما يمكن أن يستظهر من خلال الروايات الكثيرة لزوم وجود(دولة) تقوم بالأعمال الاجتماعيّة الكثيرة التي لم يكلّف بها في الإسلام مسؤول خاص من عامّة الناس، بل جعل أمر إجرائها والقيام بها على عاتق الإمام( أو الحاكم ).

وذلك يدل على لزوم وجود جهاز تنفيذيّ يقوم بهذه المسؤوليات والأعمال الاجتماعيّة الحيويّة، ويدلُّ على أنّ الحكومة قد كانت مفروضة الوجود في نظرهم.

واليك نماذج من الأحاديث التي توكل بعض الأعمال إلى( الإمام) والحاكم اللّذين يعدّان رمزاً للحكومة. وما ذكرناه في هذه الصحائف قليل من كثير، ولم نأت بالجميع ابتغاءً للإختصار، ويمكن للقارئ الكريم أن يجد أكثر ما ذكرناه إذا تصفّح المجاميع الحديثيّة لاسيّما الأجزاء العشرة الأخيرة من وسائل الشيعة:

***

1ـ يقول الإمام الصادق في الأنفال: «وما أخذ بالسّيف فذلك إلى الإمام يقبله بالذّي يرى كما صنع رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بخيبر»(1).

2ـ وفي الزكاة لمّا سئل الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ عمّا يعطى المصّدّق(أي الذي يجبي الصّدقات ) قال: «ما يرى الإمام ولا يقدّر له شيء»(2).

3ـ وفي تقسيم الزكاة قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ : «والغارمين. . يجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكّهم من مال الصدّقات».


1- وسائل الشيعة 6:129.
2- وسائل الشيعة 6:144.


(25)

«وفي سبيل اللّه قوم يخرجون في الجّهاد ليس عندهم ما يتقوُّون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجُّون به أو في جميع سبل الخير فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصّدقات حتّى يقووا على الحجّ والجهاد، وابن السبيل أبناء الطريق يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم ويذهب مالهم فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصّدقات»(1).

4ـ وفي احياء الأراضي الميّتة قال الإمام أمير المؤمنين: «من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤدّيه إلى الإمام في حال الهدنة فإذا ظـهر القائم فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه»(2).

5ـ سئل الباقر ـ عليه السلام ـ عن المفطر في رمضان بلا عذر مستحلاّ ً، فقـال ـ عليه السلام ـ: «يسأل هل عليك من افطارك إثم ؟ فإن قال: لا، فإنّ على الإمام أن يقتله، وإن قال: نعم فإنّ على الإمام أن ينهكه ضرباً»(3).

6ـ وفي رؤية الهلال قال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ : «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشّمس، وإن شهدا بعد زوال الشّمس، أمر الإمام بافطار ذلك اليوم وأخّر الصلاة( أي صلاة العيد) إلى الغد فصلّى بهم»(4).

7ـ وفي أمر إقامة الحجّ قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «لو عطّل النّاس الحجّ لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحجّ إن شاؤوا وإن أبوا. . فإنّ هذا البيت إنّما وضع للحجّ»(5).

8ـ وفي ادارة اُمور الحجّ روي أنّه لمّا حجّ إسماعيل بن عليّ بالنّاس سنة أربعين ومائة( أي كان أمير الحجّ )فسقط أبو عبد اللّه الصادق ـ عليه السلام ـ عن بغلته فوقف عليه إسماعيل( أي توقّف) فقال له الصادق ـ عليه السلام ـ: «سر فإنّ الإمام لا يقف»(6).


1- وسائل الشيعة 6:145ـ 382.
2- وسائل الشيعة 6:145ـ 382.
3- وسائل الشيعة 7:178ـ 199.
4- وسائل الشيعة 7:178ـ 199.
5- وسائل الشيعة 8:85 ـ 290.
6- وسائل الشيعة 8:85 ـ 290.


(26)

9ـ ومثله ما روي عن علي بن يقطين قال: رأيت أبا عبد اللّه(الصادق) ـ عليه السلام ـ وقد حجّ فوقف الموقف فلمّا دفع الناس منصرفين سقط أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ عن بغلة كان عليها فعرفه الوالي الذي وقف بالناس تلك السّنة وهي سنة أربعين ومائة فوقف على أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ [أي توقّف لأجله] فقال له أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ: «لاتقف فإنّ الإمام إذا دفع بالنّاس لم يكن له أن يقف»(1).

وكان الذي وقف بالناس في تلك السنة اسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس.

10ـ قال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في أداء دين الغريم: «ما من غريم ذهب إلى وال من ولاة المسلمين واستبان للوالي عسرته إلاّ برء هذا المعسر من دينه وصار دينه على والي المسلمين فيما يديه من أموال المسلمين»(2).

11ـ قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في ذلك أيضاً: «إنّ الإمام يقضي عن المؤمنين الدّيون ما خلا مهور النّساء»(3).

12ـ قال الإمام الكاظم ـ عليه السلام ـ في ذلك أيضاً: «من طلب هذا الرّزق من حلّهليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل اللّه، فإن غلب عليه فليستدن على اللّه ورسوله ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقض كان على الإمام قضاؤه، فإنلميقض كان عليه وزره. إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول : ( إِنّما الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْها ـ إلى قوله ـ وَالْغَارِمِين)(التوبة: 60) فهو فقير مسكين مغرم» (4).

13ـ قال الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ في ذلك أيضا: «المغرم إذا تديّن أو استدان في حقّ أجّل سنةً فإن اتّسع، وإلاّ قضى عنه الإمام من بيت المال»(5).

14ـ قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ في مسؤولية الحاكم اتجاه ثقافة الاُمّة: «على الإمام


1- وسائل الشيعة 8:290.
2- مستدرك الوسائل 2:491.
3- وسائل الشيعة 15:22.
4- قرب الإسناد:179.
5- الكافي1:407 ونقله العيّاشي في تفسيره 1:155.


(27)

أن يعلّم أهل ولايته حدود الإسلام والإيمان»(1).

15ـ قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ من كتاب له إلى قثم بن العبّاس وهو عامله على مكّة: «واجلس لهم العصرين فافت المستفتي، وعلّم الجاهل وذاكر العالم»(2).

16ـ قال الإمام علّي ـ عليه السلام ـ في مسؤوليّة الحاكم اتجاه أصحاب الفكر والمهن: «يجب على الإمام أن يحبس الفسّاق من العلماء والجهّال من الأطبّاء والمفاليس من الأكرياء»(3).

17ـ قال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ في مسؤولية الحاكم اتّجاه الاسر والعوائل: «من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها، ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقاً على الإمام أن يفرّق بينهما»(4).

18ـ قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في مسؤوليّة الحاكم في أمر المساجين: «على الإمام أن يخرج المحبسين في الدين يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد فيرسل معهم، فإذا قضوا الصلاة والعيد ردّهم إلى السّجن» (5).

19ـ قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ أيضاً في مسؤوليات الحكام اتّجاه الفسّاق والمنحرفين خلقيّاً: «الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ ولا يحتاج إلى بيّنة مع نظره; لأنّه أمين اللّه في خلقه وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزبره وينهاه، ويمضي ويدعه».

قلت: وكيف ذلك ؟

قال: «لأنّ الحقّ إذا كان للّه، فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للنّاس فهو للنّاس»(6).

20ـ في موقف الإمام اتجاه المحارب، قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «إذا كانت


1- غرر الحكم:215.
2- نهج البلاغة قسم الكتب الرقم 67.
3- وسائل الشيعة 18:221.
4- وسائل الشيعة 15:223.
5- وسائل الشيعة 18:221ـ244.
6- وسائل الشيعة 18:221ـ244.


(28)

الحرب قائمةً ولم تضع أوزارها ولم يثخن أهلها فكلُّ أسير أخذ في تلك الحال فإنّ الإمام فيه بالخيار إن شاء. . . وإن. . »(1).

21ـ وفي أمر القصاص قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «إذا اجتمعت العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيُّهم شاؤوا»(2).

22ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ: «من قتله القصاص بأمر الإمام فلا ديّة له في قتل ولا جراحة»(3).

23ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ في رجل قتل مجنوناً كان يقصد قتل الرجل: «أرى أن لا يقتل به ولا يغرّم ديّته وتكون ديّته على الإمام ولا يبطل دمه»(4).

24ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ حول أعمى فقأ عين صحيح: «إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الديّة في ماله، فإن لم يكن له مال فالدّية على الإمام ولا يبطل حقُّ امرىء مسلم»(5).

25ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ في رجل جرح رجلاً في أوّل النهار وجرح آخر في آخر النّهار: «هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأوّل. . . الخ»(6).

26ـ وقال في حكم من قتل وعليه دين وليس له مال: «إن قتل عمداً قتل قاتله وأدّى عنه الإمام الدّين من سهم الغارمين»(7).

27ـ وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في الرجل يقتل وليس له وليّ إلاّ الإمام: «إنّه ليس للإمام أن يعفو، له أن يقتل أو يأخذ الديّة»(8).

28ـ وقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في قتيل في زحام ونحوه لايدرى من قتله: «إن كان عرف له أولياء يطلبون ديّته أعطوا ديّته من بيت مال المسلمين ولا يبطل دم امرىء مسلم لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته على الإمام»(9).


1- وسائل الشيعة 11:53.
2- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
3- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
4- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
5- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
6- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
7- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
8- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
9- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.


(29)

29ـ وقال الإمام علي ـ عليه السلام ـ فيمن لم يكن له من يحلف معه ولم يوثق به على ما ذهب من بصره وأبى أن يحلف: «الوالي يستعين في ذلك بالسّؤال والنّظر والتثبُّت في القصاص والحدود والقود»(1).

30ـ وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في ميّت قطع رأسه قال: «عليه الديّة»، فقيل فمن يأخذ ديّته؟ قال: «الإمام. . هذا للّه»(2).

31ـ وقال ـ عليه السلام ـ في القاتل عمداً إذا هرب: «إن كان له مال أخذت الديّة من ماله وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام; فإنّه لا يبطل دم امرىء مسلم».

وفي رواية اخرى: «ثمّ للوالي بعد أدبه وحبسه»(3).

32ـ وقال الصادق ـ عليه السلام ـ في من قتل خطأً إذا مات قبل دفع الديّة وليس له عاقلة: «إن لم يكن له عاقلة; فعلى الوالي من بيت المال»(4).

هذا والملحوظ; أنّ بعض الروايات وإن كان ظاهراً في الإمام المعصوم إلاّ أنّ كثيراً من هذه الروايات ظاهر في مطلق القائم بالإعمال المذكورة سواء أكان معصوماً أم غير معصوم ، وهو يعني مطلق الحاكم الإسلاميّ.

ويدلُّ على ذلك رواية 8 و 9 حيث يسمّي فيهما الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ أمير الحاجّ والوالي بالإمام ممّا يدلّ على أنّ لفظ الإمام الموجود في هذه الرواية وأشباهها يراد به مطلق الحاكم الإسلاميّ ووليّ أمر المسلمين وليس الإمام المعصوم المصطلح في علم الكلام.

ويؤيّد هذا الاتّجاه ما قاله صاحب وسائل الشيعة في تعليقه على إحدى الروايات المشتملة على لفظ الإمام كالروايات المذكورة هنا: «الإمام العدل أعمُّ من المعصوم»(5).

وصفوة القول; أنّ الناظر في هذه الروايات يجد أنّ هناك أحكاماً اجتماعيّةً


1- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.
2- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.
3- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.
4- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.
5- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.


(30)

اقتصاديّةً أخلاقيّةً وغيرها; جعلها الإسلام على عاتق الإمام أو الوالي أو من شابههما وذلك يفيد أنّ ماهيّة هذه الأحكام ماهيّة خاصّة يتوقّف تحقيقها في الخارج على وجود سلطة وجهاز يجريها في المجتمع، وقد عبّر في هذه الروايات ـ عن تلك السلطة والجهاز ـ بالإمام والوالي أو السلطان أي صاحب السلطة، وذلك يدلُّ ـ بالدلالة الإلتزاميّة ـ على أنّ هذه أحكام سلطانيّة، وواجبات حكوميّة لا تنفكُّ عن وجود السلطة والدولة وقد فرضها الأئمّة ـ عليهم السلام ـ مسلّمة الوجود في الواقع الخارجي.

وإنمّا أدرجنا لك نموذجاً من هذه الأحاديث لإثبات أمر واحد هو; أنّ الحكومة الإسلاميّة أمر مسلّم الوجود وإيجادها فريضة يتوقّف عليها الكثير من الأحكام الدينيّة، ومع ذلك كيف يسمح البعض لأنفسهم أن يقولوا: إنّ الإسلام يمكن أن يطبّق في المجتمع دون حاجة إلى حكومة قويّة، وسلطة سياسيّة قادرة.

قال الإمام الخميني قائد الثورة الإسلاميّة في محاضراته عن الحكومة الإسلاميّة: «والحقُّ أنّ القوانين والأنظمة الاجتماعيّة بحاجة إلى منفّذ. في كلّ دول العالم لا ينفع التشريع وحده، ولا يضمن سعادة البشر، بل ينبغي أن تعقب سلطة التشريع سلطة التنفيذ فهي وحدها التي تنيل الناس ثمرات التشريع العادل.

لهذا قرّر الإسلام إيجاد سلطة التنفيذ إلى جانب سلطة التشريع فجعل للأمر وليّاً للتنفيذ إلى جانب تصدّيه للتعليم والنشر والبيان»(1).

وصفوة القول; أنّ ضرورة وجود الحكومة في الحياة الاجتماعيّة ممّا دلّ عليه العقل والكتاب والسُّنّة وسيرة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والأئمّة بما لا يقبل جدلاً، ولذلك نكتفي بما سردناه لك وفيه كفاية.


1- الحكومة الإسلاميّة للإمام الخمينيّ:24.