welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 4

مفاهيم القرآن

الجزء الرابع

تأليف

جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)

(3)

مفاهيم القرآن

الجزء الرابع

دراسة شاملة

لاَجر الرسالة المحمدية ومعاجز النبي الاَكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم -

وكراماته وما أُثير حولها من شبهات وشفاعته المقبولة

تأليف

العلاّمة

جعفر السبحاني



(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

أما بعد؛

فهذا هو الجزء الرابع من أجزاء موسوعتنا القرآنية «مفاهيم القرآن» نقدّمه إلى القرّاء الكرام، راجين منهم العفو عمّـا وقع من التأخير في نشره، وقد كان جاهزاً للطبع يوم طبع الجزء الثالث منها غير أنّه طلباً لوقوعه موقع القبول والرضا من القرّاء، قد غيّـرنا بعض مطالبه عند تقديمه للطبع في هذه الاَيام، ولنعم ما قال الكاتب الكبير عماد الدين أبو عبد اللّه محمد بن حامد الاَصفهاني (المتوفّـى عام 597 هـ) بدمشق: إنّـي رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلاّ قال في غده لو غيّـر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جميع البشر .

الموَلف



(6)


(7)

كلمة قيمة

تفضّل بها العلامة الحجّة المحقق والكاتب الاِسلامي الكبير
السيد مرتضى العسكري (1)
ننشرها مشفوعة بالشكر والتقدير

صاحب الفضيلة العالم الباحث الحجّة الاَُستاذ الشيخ جعفر السبحاني متّعنا اللّه بطول بقائه.

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

أمّا بعد؛

فقد تسلمت بيد الشكر هديتكم النفيسة وهي الجزء الاَوّل والثاني والثالث من موسوعتكم المباركة «مفاهيم القرآن» وتمتعت زمناً طويلاً بمطالعتها كما تمتعت بمطالعة سائر موَلّفاتكم، خاصة موَلّفاتكم في سيرة النبي والوصي، وأريد أن أتحدّث عن اتجاهكم المحمود هذا، وأُبدي تقديري لكم، فقد وجدت في هذه الموسوعة القرآنية بحوثاً مقارنة أصيلة نافعة ـ شكر اللّه مساعيك، وجزاك اللّه خيراً


(1)الاَُستاذ العسكري علم من أعلام الاَُمّة، يدافع عن ساحة الاِسلام والتشيّع بآثاره القيمة المبتكرة، منها: «مائة وخمسون صحابي مختلق»، «عبد اللّه بن سبأ في التاريخ»، «معالم المدرستين»، وغيرها.

(8)

على دأبك في بذل الجهد المتواصل، في هذا السبيل في عصر عزّ فيه وجود الباحثين ـ وأخص بالذكر الجزء الثالث من تلك الموسوعة حيث وجدت فيه اختياراً موفقاً للمواضيع الهامة من حقول المعرفة القرآنية، وأُسلوب البحث حول كل موضوع على حدة مثل: عالمية الاِسلام، وخاتمية النبي الاَكرم، وأُميته، مع ذكر الشبهات المثارة حول تلك المواضيع ودفعها، سواء من قبلكم أو بنقل كلمات المفسرين الاِسلاميين حولها بأمانة تثير الاِعجاب في عصرنا الحاضر.

نعم أنّي لا أتفق معكم في بعض ما اخترتموه في رسالة نوح وانّما أختار في ذلك رأي العلاّمة الطباطبائي قدَّس سرَّه .

وفي الختام أقول: إنّ هذه الموسوعة قد طرحت على بساط البحث مواضيع هامة ينبغي أن تتناولها أقلام المفكرين الاِسلاميين بالبحث والنقد وأن تُنتخب منها خلاصات تترجم إلى سائر اللغات الحية وتنشر على جماهير المسلمين لحاجتهم إلى هذه الاَبواب من المعرفة.

أطال اللّه عمرك، أيّـها الاَخ البحّاثة، وأخذ بيدك في ما أنت بصدده من نشر فنون المعرفة القرآنية، وتقبَّل منك عملك والسلام عليك من مرتضى العسكري.

مرتضى العسكري

19|3|1403 هـ



(9)

رسالة قيمة

بعثها إلينا الكاتب الكبير الأُستاذ الحجّة الشيخ سلمان الخاقاني
صاحب التآليف القيمة الممتعة، حيّاه اللّه وبيّاه

بسم الله الرحمن الرحيم

معرفتي بالاَُستاذ العلاّمة الحجّة الشيخ جعفر السبحاني لم تكن حدثاً جديداً، فقد عرفته منذ أكثر من عشرين عاماً من خلال كتبه العلمية التي جاوزت العشرات في جميع نواحي الدين والعلم.

وفي عام 1395 هـ حمل إلي البريد كتاباً من بعض أصدقائي الاَعزّاء القاطنين بطهران يحمل اسم «مفاهيم القرآن» وهو من تأليف صديقنا الاَُستاذ السبحاني، وقد تصفّحته فأعجبت به، وزاد إعجابي بموَلّفه، وعرفت أنّه ذو مواهب عالية، وزاد كل ذلك معرفتي به، وحمدت اللّه على أن جعل في مجتمعنا من يخدم اللغة العربية والقرآن والحديث بقوّة واقتدار كما خدمها سلفنا الماضي.

وقد مرّت على هذه الاَحاسيس سنوات وأنا في دار هجرتي قم يدخل عليَّ صديقنا السبحاني زائراً ومواسياً ومتلطفاً ويهدي إلي الجزء الآخر من تلك الموسوعة القرآنية، وهو «معالم التوحيد في القرآن الكريم» وهي محاضرات كتبت بقلم أحد تلامذته النجباء الاَوفياء.


(10)

وقد تناولت الكتاب بالبحث فوجدت فيه مواضيع مفيدة يحتاج إليها كل فرد مسلم، يريد أن يعرف حقائق الدين المبين.

واستوقفني من تلك المواضيع موضوعه الاَخير الحاكمية، ولمن تكون.

أقول: استوقفني هذا الموضوع لاَنّه من المواضيع الهامة التي نُشرت حوله رسائل وكتابات.

وليس قولي ـ استوقفني هذا الموضوع ـ أنّ غيره لا يستحق الوقوف، لا ، ففي مواضيع الكتاب مباحث نافعة ومفيدة لكل من يريد الوقوف.

وإلى الاَُستاذ العلاّمة الشكر والامتنان في اخراج هذه التحف، وأرجو لكتابه هذا، بل ولجميع كتبه، الرواج والانتشار وليتقبل هو قولي مخاطباً له:

لقد أحسنت يا جعفر * فلتهنأ بإحسان
لما فصلت من آي * لتوحيد وعرفان
وما بينت من شرح * على آيات قرآن
فأنت الكاتب الفذ * بإخلاص وإيمان
لقد سبحت تمجيداً * بإسرار وإعلان
إلى من يهب العقل * ويغني المملق العاني
ويهدي التائه الضال * لذا لقبت «سبحاني»
ألا فاقبل أخا الفضل * نشيد المخلص الجاني
ربيـــع المولود 1403 هـ * سلمان الخاقاني النجفي


(11)

خطاب

تفضّل به العلاّمة الحجة الحكيم المتألّه الشيخ حسن الآملي


(دام ظله الوارف)

ننشره مشفوعاً بالشكر والتقدير

بسم الله الرحمن الرحيم

( ن والقلم وما يسطرون)

سماحة العلم الآية العلاّمة العبقري الشيخ جعفر السبحاني متعنا اللّه بطول بقائه .

بعد التحية والسلام:

سلام كمثل الروض باكره الصبافصادف ريحاناً ونوراً مفتقاً

أنّه سبحانه كتب على نفسه وأخبر في كتابه بقوله: ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) فهو سبحانه يقيّض في كل دور وكور أعلاماً يهتدى بهم، ويستضاء بنور هداهم، فقد عرَّفهم وليّ ذي الجلال، زارع المعارف في مزارع القلوب في خطابه الفصل الملقى إلى كميل الكامل الباخع النخعي بقوله: «يحفظ اللّه بهم حججه وبيناته، حتى يودعها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، ذلك فضل اللّه يوَتيه من يشاء، واللّه ذو الفضل العظيم».

وأنتم ـ بحمد اللّه سبحانه ـ ممن حذا حذو هوَلاء، وتتلمذ في مدرستهم


(12)

وتعرّف على مناهجهم، فلاَجل ذلك أخرجتم إلى المجتمع الاِسلامي تفسيركم الموضوعي لحبل اللّه: «القرآن الكريم» في حلقات عديدة، وقد حالفني التوفيق لاَقف على أجزاء منها تتناول موضوعات قرآنية هامة كأنّما هي نسمات أُنس هبّت من حظائر القدس، وقد تجلّـى فيها القرآن بمفاهيمة ومعالمه للّذي قد جاء في طلب القبس.

رزقنا اللّه وإيّاكم فهم الخطاب الاِلهي وأسأله سبحانه غرة جدّكم، وعزة جداكم، والحمد للّه الذي فضّل مداد العلماء على دماء الشهداء.

تحريراً في 24 |شعبان المعظم| 1403 هـ

قم: حسن الآملي

ملحوظة:

هذا ما سمح المجال بنشره مما تفضّل به الاَساتذة حول كتابنا «مفاهيم القرآن» وقد نشرناها مشفوعة بالشكر والتقدير، وسوف نقوم بنشر بعض الرسائل والكتب الاَُخرى التي وصلتنا من قادة الفكر وأرباب القلم في الجزء الآتي إن شاء اللّه تعالى.

الموَلف


(13)

مقدمة الموَلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الاِيمان بالغيب في الكتاب العزيز

الاِيمان بالغيب عنصر أساسي في جميع الشرائع السماوية، والشرط الرئيسي في التديّن بالدين الاِلهي على الاِطلاق، بحيث لو انتزع هذا العنصر من برامج الدين لاَصبح الدين دستوراً عادياً يشبه الدساتير والآيديولوجيات المادية البشرية، ونظاماً لا يمت إلى الدين الاِلهي بصلة.

ولاَجل ذلك نرى أنّ اللّه سبحانه يعد الاِيمان بالغيب في طليعة الصفات التي يتصف بها المتقون إذ يقول سبحانه في الآية الثالثة من سورة البقرة: ( الّذِينَ يُوَمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصّلاةَ ومِمّا رَزَقناهُمْ يُنفِقُون)(1)

والمراد من «الغيب» هو ما يقابل الشهادة، ومن أجل مصاديقه: الروح والملائكة، والجن والمعاجز، والكرامات، والوحي، والبرزخ، والقيامة، وما يرجع إلى اللّه تعالى من ذاته وصفاته.

ولا يشك أحد في أنّ تجريد الدين من هذه الاَُمور ومن الاعتقاد بها يوجب أن يصبح الدين نظاماً مادياً، ومبدأً بشرياً كسائر الاَنظمة والمبادىَ والبرامج البشرية الاَرضية.


(1)البقرة: 3.

(14)

وقد كان أصحاب الشرائع، وأنصارها، وفي مقدمتهم علماء الاِسلام، وكتابهم محتفظين بهذا الاَصل، معتصمين به أشد الاعتصام، موَكدين عليه في كتاباتهم غاية التأكيد باعتباره ميزة الشرائع الاِلهية، وقوامها، والفارق الجوهري بينها وبين الاَنظمة والآيديولوجيات الاَرضية البشرية.

غير أنّ الحضارة المادية الحديثة التي اعتمدت على الحس والتجربة، وأعطت كل القيمة والوزن لما أيّدته أدوات المعرفة المادية، أدهشت بعض المفكرين المسلمين، فوجدوا أنفسهم في صراع عنيف بين الاِيمان بالغيب باعتباره عنصراً أساسياً في الدين، وبين الحضارة المادية الحديثة التي لا تعتمد إلاّ على الحس والتجربة، وربّما لم يتجرّأوا على إنكار ما هو خارج عن إطار أدوات المعرفة المادية، فلم يقدروا على الانحياز إلى أي واحد من الطرفين، فلو صاروا إلهيين مطلقاً لوجب عليهم مقابلة الماديين المنكرين لعالم الغيب، ولو انحازوا إلى جانب الماديين لانخرطوا في صفوف الملحدين، ولذلك اختاروا طريقاً وسطاً، وهو تأويل بعض ما ورد في مجال الغيب عامّة، والمعاجز والكرامات خاصة، وزعموا أنّهم يستريحون بهذا التأويل، ويرضون كلتا الطائفتين.

وممن سلك هذا الطريق بعض السلوك الشيخ المصلح «محمد عبده» والسيد سير «أحمد خان» الهندي، و «طنطاوي جوهري»، وتلامذة هذه المدرسة.

ولكي لا يحمل القارىَ كلامنا هذا على القسوة والتحامل على أحد نأتي فيما يلي بنماذج من كتابات أصحاب هذه المدرسة، ونختارها ممّا كتبه السيد محمد رشيد رضا منشىَ «المنار» تقريراً لدروس الاَُستاذ الامام الشيخ «محمد عبده» في التفسير، ونكتفي ـ في هذا الاقتباس ـ على ما ضبطه حول سورة البقرة فقط، ونحيل البحث المفصّل حول هذا التفسير المنشور في أحد عشر جزءاً إلى وقت آخر.


(15)

*

النموذج الاَوّل

قوله سبحانه: ( وإذ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نُوَمِنَ لكَ حتّى نَرى اللّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثناكُمْ مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُم تَشكرُون) .(1)

لا شك أنّ المتبادر من الآية هو إحياوَهم بعد الموت ،والخطاب لليهود المعاصرين للنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم - باعتبار أحوال أسلافهم، ولا يفهم أيُّ عربي صميم من لفظة: ( ثم بعثناكم من بعد موتكم) غير هذا إلاّ أنّ صاحب المنار ذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النسل، أي أنّه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أنّهم سينقرضون، بارك اللّه في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكـر على النعــم التي تمتع بها الآبـاء الذين حل بهم العذاب بكفرهـم لها.(2)

ولم يكن هذا التفسير من الاَُستاذ إلاّ لاَجل أنّ الاعتراف بالاِحياء بعد الموت في الظروف المادية ممّا لا يصدقه العلم الحسّـي والتجربة، فلاَجل ذلك التجأ إلى تفسيره بما ترى، وما أظن أنّ الاَُستاذ يتفوّه بهذا التفسير في نظائر الآية الكثيرة في القرآن الكريم.

*

النموذج الثاني

لقد كتب الاَُستاذ في تفسير قوله سبحانه: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُم فِي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدةً خاسِئين * فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَينَ يَدَيْها ومَا )


(1)البقرة: 55 ـ 56.

(2)تفسير المنار: 1|322.

(16)

خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلمُتَّقِين) .(1)ما يلي:

إنّ السلف من المفسرين ـ إلاّ من شذّ ـ ذهب إلى أنّ معنى قوله: ( كونوا قردة خاسئين) أنّ صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين.

وحيث كان هذا المعنى يصطدم بالاتجاه المادي ولا تصدقه أنصار الحضارة المادية الذين ينكرون إمكان صيرورة الاِنسان قرداً حقيقياً دفعة واحدة، عمد الاَُستاذ إلى تأويل هذه الآية، وتفسيرها على النحو والنهج الجامع بين الاتجاهين المادي والديني !!

فمع أنّه نقل عن الجمهور أنّ معنى الآية أنّ صورهم مسخت فأصبحوا قردة على الحقيقة والواقع، نجده ينحاز إلى رأي مجاهد الذي قال: ما مسخت صورهم، ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة، كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: ( مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمّ لَم يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفَاراً) .(2)

ثم قال: ومثل هذا قوله تعالى: ( وجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والخَنَازِيرَ وعَبدَ الطّاغُوت) .(3) وقال: الخسوء هو الطرد والصغار، والاَمر للتكوين، أي فكانوا بحسب سنّة اللّه في طبع الاِنسان وأخلاقه كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس.

ثم أخذ في رد قول الجمهور، وقال: ولو صح ـ ما ذكره الجمهور ـ لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة، لاَنّهم يعلمون بالمشاهدة أنّ اللّه لا يمسخ كلَّ عاص، فيخرجه عن نوع الاِنسان، إذ ليس ذلك من سننه في خلقه، وإنّما العبرة الكبرى في العلم بأنّ من سنن اللّه تعالى في الذين خلوا من قبل: أنّ من يفسق عن أمرربّه ويتنكب الصراط الذي شرّعه له، ينزل عن مرتبة الاِنسان، ويلتحق


(1)البقرة: 65 ـ 66.

(2)الجمعة: 5.

(3)المائدة: 60.

(17)

بعجماوات الحيوان، وسنّة اللّه تعالى واحدة، فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية.

إلى أن قال: فاختيار ما قاله مجاهد هو الاَوفق بالعبرة والاَجدر بتحريك الفكرة .(1)

ونحن لسنا ـ هنا ـ في صدد تفسير الآية وتوضيح مفادها، غير أنّه ـ إيقافاً للقارىَ الكريم على الحقيقة ـ نلفت نظره إلى أُمور تثبت ما نسبناه إلى هذه الجماعة من موقف خاص تجاه المعاجز والكرامات وما شاكلها، وهذه الاَُمور هي:

أوّلاً: أنّ المشهود من تفسير صاحب المنار أنّه مقلّد قوي للسلف في أكثر الموارد والمجالات، فلماذا عدل في هذا المضمار، واختار القول الشاذ، أعني: قول مجاهد؟!

ثانياً: كيف رضيت نفسه أن يفسر الآية بمثل قوله سبحانه: ( مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها ...) مع أنّ المذكور في تلك الآية إنّما هو على سبيل المثل، فإنّ لفظة «مثل» تنادي بأنّ حالهم ـ في عدم الفهم والانتفاع بالتوراة ـ كمثل الحمار الحامل للكتب والاَسفار من دون فهم لما فيها، لا أنّهم حمر بالهيئة والصورة والحقيقة، وهذا بخلاف ظاهر الآية الحاضرة، فإنّها بظاهرها حاكية عن أنّهم صاروا قردة حقيقيّين لا أنّهم صاروا مثلهم مثل القردة؟!

ثالثاً: لماذا غفل الاَُستاذ عما ورد في تلك القصة في سورة الاَعراف من قوله سبحانه: ( فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنجَيْنا الّذِينَ يَنْهَونَ عنِ السُّوءِ وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمّا عَتَوْا عَن ما نُهُوا عَنْهُ قُلنا لَهُم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئين) .(2)


(1)تفسير المنار: 1|343 ـ 345.

(2)الاَعراف: 165 ـ 166.

(18)

أفيمكن تفسير الآية ـ حينئذ ـ بغير ما اختاره جمهور المفسرين من صيرورتهم قردة حقيقيّين، وأي عذاب بئيس أشدّ من صيرورة الاِنسان بصورة القردة المطرودة !!

رابعاً: أنّ ما ردّ به نظرية الجمهور من أنّه لا يكون المسخ الصوري موعظة للعصاة، لاَنّهم يعلمون ـ بالمشاهدة ـ أنّ اللّه لا يمسخ كلّ عاص ... إلى آخر كلامه، مردود بوجهين:

الاَوّل: أنّه لو صح ذلك لوجب تأويل جميع ما ورد في القرآن الكريم من الاِبادة والاِهلاك بالخسف والاِمطار بالحجارة، والغرق، والريح، وغير ذلك مما وقع بالاَُمم السالفة عقاباً وعبرة للآخرين، وذلك مثل قوله سبحانه: ( وَقَومَ نُوحٍ لمّا كَذّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ وجَعَلْناهُم لِلنّاسِ آيةً وأعتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذَاباً ألِيماً) (1) ، ومثل قوله سبحانه في شأن فرعون: ( فَقَالَ أنا رَبُّكُمُ الاَعلى * فأَخَذَهُ اللّهُ نكالَ الآخِرةِ والاَُولى * إنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرًةً لِمَن يَخشَى) (2).

إنّه سبحانه يصرح في الآية الاَُولى والثانية بأنّه إنّما فعل ما فعل بقوم نوح وبفرعون ليكونوا عبرة للآخرين، وتذكاراً.

على أنّ اللّه سبحانه يذكر نظير ذلك في سورة هود، وذلك عندما يستعرضقصص من أرسل إليهم الاَنبياء وأنّهم كذبوهم، فأصابهم اللّه بشتّى ألوان العذاب والاِهلاك، وذلك مثل قوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم فرعون، ثم يختم هذا الاستعراض المفصل بقوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أَخَذَ القُرَى وهِيَ ظالِمَةٌ إنّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيد * إنَّ في ذَلِكَ لآيةً لِمَن خافَ عذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَومٌ مَجموعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَومٌ )


(1)الفرقان: 37.

(2)النازعات: 24 ـ 26.

(19)

مَشْهُود) .(1)

إنّه تعالى يصرح بأنّ كل ما نزل بالاَُمم السابقة من العذاب والاِهلاك إنّما ذكر ليكون عبرة، وآية للناس، وعندئذٍ يطرح هذا السوَال نفسه بأنّه كيف يكون عبرة وآية للناس مع أنّهم يعلمون بالمشاهدة أنّ اللّه لا يوَدب الاَُمة المحمدية بما أدّب به الاَُمم السالفة؟!

الثاني: أنّ كون هذه القضايا وسيلة للعبرة والاعتبار لا يستلزم أن تتحقّق تلك العقوبات بعينها في حق العصاة والطغاة في الاَُمم اللاحقة، بل يكفي ـ في ذلك ـ أن تدل على أنّ اللّه لهم بالمرصاد، فهو لا يترك الظالم بلا عقاب، ولا يفوته العصاة دون أخذ.

إنّ الاَخذ والعقوبة يختلف حسب مشيئة اللّه وإرادته، ولا يلزم أن تكون العقوبة متحدة النوع مع العقوبات السابقة حتماً.

وهذه هي الحقيقة التي توَكدها الآيات (10 ـ 14) من سورة الفجر إذ يقول سبحانه: ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الاَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَّبَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصَادِ) .(2)

*

النموذج الثالث

لقد قصّ اللّه سبحانه في سورة البقرة قصة البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها إذ قال: ( وإذ قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إنَّ اللّهَ يأمُرُكُمْ أن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أعُوذُ بِاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجَاهِلِين) إلى أن قال: ( وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَءْتُمْ فِيها واللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمونَ * فَقُلنا اضْـرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ )


(1)هود: 102 ـ 103.

(2)الفجر: 10 ـ 14.

(20)

يُحيِي اللّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) .(1)

ومجمل القصة هو أنّ رجلاً قتل قريباً له غنياً ليرثه، وأخفى قتله له، فرغب اليهود في معرفة قاتله فأمرهم اللّه أن يذبحوا بقرة ويضربوا بعض المقتول ببعضها ليحيا، ويخبر عن قاتله.

ولقد بيّـن اللّه لنا في هذه القصة لجاجة بني إسرائيل ورفضهم للطاعة، وانحرافهم عن منهج اللّه، ونتائج ذلك في نفوسهم ومجتمعاتهم حيث آل أمرهم في هذه الواقعة ـ إلى أن يضطروا إلى ذبح البقرة ـ وبعد ما ذبحوها أمرهم اللّه سبحانه أن يضربوه ببعضها (أي يضربوا المقتول ببعض البقرة) حتى يحيا ويخبر عن قاتله.

وهذا هو ما اختاره الجمهور في تفسير الآية، وهو صريح قوله سبحانه: ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى اللّه الموتى) .

وأمّا الاَُستاذ فقد سلك طريقاً آخر تحت تأثير موقفه المسبق من المعاجز والكرامات وخوارق العادة، فهو بعد أن نقل رأي الجمهور قال: قالوا: إنّهم ضربوه فعادت إلى المقتول الحياة، وقال: قتلني أخي، أو ابن أخي فلان. قال: والآية ليست نصّاً في مجمله فكيف بتفصيله.

ثم فسّـر الآية بما ورد في التوراة من أنّه إذا قتل قتيل ولم يعرف قاتله، فالواجب أنّ تذبح بقرة في واد دائم السيلان ويغسل جميع أفراد القبيلة أيديهم على البقرة المكسورة العنق في الوادي، ويقولون: إنّ أيدينا لم تسفك هذا الدم. اغفر لشعبك إسرائيل، ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنّه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء.

ثم قال: وهذا الاِحياء على حد قوله تعالى: ( ولكم في القصاص حياة) (2)


(1)البقرة: 67 ـ 73.

(2)البقرة: 179.

(21)

ومعناه حفظ الدماء التي كانت عرضة لاَن تسفك بسبب الخلاف في قاتل تلك النفس .(1)

وأنت ترى أنّ هذا التفسير لا ينطبق على قوله: ( فقلنا اضربوه ببعضها) أي اضربوا النفس المقتولة ببعض جسم البقرة ( كذلك يحيي اللّه الموتى) فهل كان في غسل الاَيدي على البقرة المكسورة العنق، ضرب المقتول ببعض البقرة؟! هذا أوّلاً.

وأمّا ثانياً: كيف استند الاَُستاذ ـ في تفسير الآية الحاضرة ـ بما ورد في التوراة، مع أنّ المشهود منه أنّه يستوحش كثيراً من بعض الروايات التي ربما توافق ما ورد في الكتب المقدسة، ويصفها بالاِسرائيليات والمسيحيات، ومع ذلك عدل عن مسلكه واستند في تفسير الذكر الحكيم بالكلم المحرف.

وليس هذا التفسير ـ في حقيقته ـ إلاّ لاَجل ما اتخذه الاَُستاذ من موقف مسبق تجاه المعاجز والكرامات، وخوارق العادة، وغير ذلك مما يرجع إلى عالم الغيب.

*

النموذج الرابع

قال اللّه سبحانه: ( ألَم تَرَ إلى الّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِم وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمّ أحياهُم إنّ اللّهَ لذُو فَضْلٍ على النّاسِ ولكنّ أكثَرَ النّاس لا يَشْكُرُون) .(2)

ذهب الجمهور إلى أنّهم قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون أو من الجهاد، فأرسل عليهم الموت، فلمّـا رأوا أنّ الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم


(1)تفسير المنار: 1|345 ـ 350.

(2)البقرة: 243.

(22)

فراراً منه، فأماتهم اللّه جميعاً وأمات دوابهم ثم أحياهم، لمصالح وغايات أُشير إليها في الآية.

هذا هو ما ذهب إليه الجمهور ، ولكن الاَُستاذ أنكر ذلك واختار كون الآية مسوقة سوق المثل، وانّ المراد بهم قوم هجم عليهم أُولو القوة والقدرة من أعدائهم لاستذلالهم واستخدامهم وبسط السلطة عليهم، فلم يدافعوا عن استقلالهم وخرجوا من ديارهم وهم أُلوف، لهم كثرة وعزة حذر الموت، فقال لهم اللّه: موتوا موت الخزي والجهل، والخزي موت، والعلم وإباء الضيم حياة، فهوَلاء ماتوا بالخزي وتمكن الاَعداء، منهم، وبقوا أمواتاً ثم أحياهم بإلقاء روح النهضة، والدفاع عن الحق فيهم، فقاموا بحقوق أنفسهم، واستقلّوا في أمرهم.(1)

ولا يخفى على القارىَ الكريم أنّ تفسير الاَُستاذ هذا نابع من موقفه المسبق حول خوارق العادة والكرامات والمعجزات وذلك:

أوّلاً: أنّه لو كانت الآية مسوقة سوق المثل وجب أن تذكر فيه لفظة «المثل» كما هو دأبه سبحانه في الاَمثال القرآنية، مثل قوله: ( كَمَثَلِ الّذِي استَوْقَدَ ناراً) .(2) وقوله تعالى: ( إنّما مَثَلُ الحياةِ الدُّنيا كماءٍ أنزَلناهُ) .(3)وقوله تعالى: ( مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِل أسفاراً) .(4)

فحمل الآية على المثل وإخراجها عن كونها وردت لبيان قصة حقيقية، تفسير بلا شاهد، وتأويل بلا دليل.

ثانياً: لو كان المراد من الموت هو موت الخزي والجهل، ومن الحياة روح النهضة والدفاع عن الحق، فحيث إنّ المفروض أنّهم قاموا بحقوق أنفسهم


(1)تفسير المنار: 2|458 ـ 459.

(2)البقرة: 17.

(3)يونس: 24.

(4)الجمعة: 5.

(23)

واستقلوا بأمرهم، وجب أن يمدحوا، ويذكروا بخير، مع أنّه سبحانه يقول في ذيل الآية ذاماً لهم: ( إنّ اللّه لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) .

والعجب أنّ الاَُستاذ ردَّ نظرية الجمهور بقوله سبحانه: ( لايَذُوقُونَ فِيها المَوتَ إلاّ المَوتَةَ الاَُولى) (1)قائلاً بأنّه لا معنى لحياتين في هذه الدنيا.(2)

والجواب: أنّ الحياة الدنيا لا تصير بتخلل الموت حياتين، بل هي حياة واحدة، أيضاً، وإلاّ فماذا يقول في أصحاب الكهف الذين ضرب اللّه على أسماعهم ثلاثمائة سنة انقطعوا فيها عن هذه الحياة ثم رجعوا إليها، والسبات على طائفة بمدة ثلاثمائة سنة، لا تقصر عن الموت، بل هو والموت سواسية.

ولو قال بأنّ ظاهر الآية انّ الناس لا يذوقون إلاّ موتة واحدة، وعلى هذا التفسير فهوَلاء ذاقوا الموت مرتين.

فجوابه: أنّ مشيئته سبحانه هو أن لا يذوق الانسان إلاّ موتة واحدة، إلاّ إذا كانت هناك مصالح توجب تعدد الموت، مثل قوله سبحانه: ( رَبَّنا أَمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْن) .(3)وقوله: ( ويَوْمَ نَحْشُـرُ مِنْ كُلِّ أُمّةٍ فَوْجاً) (4) . وليست الآية راجعة إلى يوم البعث، فإنّه يحشر فيه جميع الناس والاَُمم جمعاء لا فوج منهم.

*

النموذج الخامس:

قال اللّه سبحانه: ( أو كالّذِي مَرَّ على قَرْيةٍ وهِيَ خاويةٌ على عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هذهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها فأماتَهُ اللّهُ مائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ)


(1)الدخان: 56.

(2)تفسير المنار: 2|458 ـ 459.

(3)غافر: 11.

(4) النمل: 83.

(24)

يَوماً أو بَعْضَ يَومٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مائَة عامٍ فَانظُرْ إلى طَعامِكَ وَشَـرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ وانظُرْ إلى حِمَارِكَ وَلَنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانظُر إلى العِظامِ كَيفَ نُنشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لحماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعلَمُ أَنَّ اللّهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدير ) .(1)

ذهب الجمهور إلى أنّ الرجل المذكور في الآية كان من الصلحاء عالماً بمقام ربّه، مراقباً لاَمره، بل كان شخصاً مكلَّماً كما يحكي عنه قوله سبحانه: ( ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ ) فخرج من داره قاصداً مكاناً بعيداً عن قريته التي كان بها، والدليل على ذلك خروجه مع حمار يركبه وحمله طعاماً وشراباً يتغذى بهما، فلما صار إلى ما كان يقصده مرّ بالقرية التي ذكر اللّه أنّها كانت خاوية على عروشها، ولم يكن قاصداً نفس القرية، وإنّما مرّ بها مروراً ثم وقف معتبراً بما شاهده من القرية الخربة قائلاً كما يحكيه عنه سبحانه: ( أنّى يُحْيِي هذهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها ) مستعظماً ـ بذلك ـ الاِحياء بعد طول المكث في القبور ورجوعهم إلى حياتهم الاَُولى، فأماته اللّه سبحانه ثم بعثه.

وقد كانت الاِماتة والاِحياء في وقتين مختلفين من النهار، واستفسر عنه سبحانه بقوله: ( كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوماً أو بَعْضَ يَوْمٍ) فردّ اللّه سبحانه عليه بقوله: ( بَلْ لَبِثْتَ مائة عامٍ) فرأى من نفسه أنّه شاهد مائة سنة كيوم أو بعض يوم، فكان في ذلك جواب ما استعظمه من إمكان الاِحياء بعد طول المكث.

ولكن الاَُستاذ فسر «الموت» في الآية بالسبات، وهو أن يفقد الموجود الحي، الحس والشعور مع بقاء أصل الحياة مدّة من الزمان، أياماً أو شهوراً، أو سنين، كما أنّه الظاهر من قصة أصحاب الكهف، ورقودهم ثلاثمائة وتسع سنين ثم بعثهم عن الرقدة فالقصة تشبه القصة .(2)


(1)البقرة: 259.

(2)تفسير المنار: 3|49 ـ 50.

(25)

وأنت تعرف أنّ تفسير الموت بـ «السبات» ناشىَ من موقف مسبق في هذا النوع من الموضوعات، مع كونه خلاف ظاهر ( فأماتَهُ اللّهُ) وهو ظاهر في الموت الحقيقي المتعارف دون السبات الذي ابتدعه الاَُستاذ، وقياسه على أصحاب الكهف قياس مع الفارق، حيث إنّه سبحانه يصرح هناك بالسبات بقوله: ( فَضَـرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ في الكَهْفِ سِنينَ عَدَداً) .(1)

ثم إنّه ارتكب مثل هذا التأويل في قوله سبحانه: ( وَانظُرْ إلى حِمَارِكَ وَلَنَجْعَلَكَ آيةً لِلنَّاسِ وَانظُر إلى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً) ، فمن أراد الوقوف عليه فليرجع إلى تفسيره.

*

النموذج السادس:

وليس ما ذكر هو الخطأ الاَخير الذي وقع فيه الاَُستاذ في تفسير سورة واحدة، وهي سورة البقرة، فقد ارتكب مثل هذا التأويل البارد أيضاً في تفسير قول اللّه سبحانه: ( وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُوَْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُـرهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِيَنَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .(2)

فقد ذهب الجمهور إلى أنّ إبراهيم طلب من ربّه أنْ يطلعه على كيفية إحياء الموتى، فأمره اللّه تعالى بأن يأخذ أربعة من الطير فيقطعها أجزاء ويفرّقها على عدّة جبال هناك ثم يدعوها إليه فتجيئه، وأنّه - عليه السلام - قد فعل ذلك.

ولكن الاَُستاذ اتخذ رأياً خاصّاً نقل عن أبي مسلم أيضاً، وهو: أنّه ليس في الآية ما يدل على أنّ إبراهيم - عليه السلام - فعل ذلك، وما كل أمر يقصد به الامتثال، فإنّ


(1)الكهف: 11.

(2)البقرة: 260.

(26)

من الخبر ما يأتي بصيغة الاَمر لا سيما إذا أُريد زيادة البيان، كما إذا سألك سائل كيف يصنع الخبز؟ مثلاً فتقول: خذ كذا وكذا وافعل به كذا وكذا يكن خبزاً، تريد هذه كيفيته، ولا تعني تكليفه صنع الخبز بالفعل؛ وفي القرآن كثير من الاَمر الذي يراد به الخبر، والكلام ها هنا مثل لاِحياء الموتى.

ثم إنّه جاء بتفسير عجيب للآية، إذ قال: معناه خذ أربعة من الطير فضمها إليك، وآنسها بك حتى تأنس، وتصير بحيث تجيب دعوتك، فإنّ الطيور من أشد الحيوانات استعداداً لذلك، ثم اجعل كل واحد منها على جبل ثم ادعها فانّها تسرع إليك، لا يمنعها تفرّق أمكنتها، وبعدها عن ذلك، كذلك أمر ربّك إذا أراد إحياء الموتى، يدعوهم بكلمة التكوين «كونوا أحياء» فيكونوا أحياء، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الاَرواح إلى الاَجساد على سبيل السهولة.(1)

ثم إنّ الاَُستاذ اختار هذا المعنى قائلاً: إنّ تفسير أبي مسلم هو المختار !!

نحن لا نرد على هذا النظر بما في إمكاننا، غير أنّا نكتفي في إبطال هذا التفسير بأنّه سبحانه قال في الآية: ( ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزءاً) ولم يقل: واحداً منها، وعلى ما ذكره يجب أن يقول: واحداً.

فإذا كان هذا هو مسلك الاَُستاذ الذي كان يعيش في بيئة علمية دينية توَمن بالسنن والصحاح والمسانيد، وموقفه من المعاجز والكرامات وخوارق العادة، فكيف يكون يا تُرى موقف الجدد من الكتّاب الذي تأثروا بالحضارة الغربية المادية والاَفكار الاِلحادية الواردة من الشرق والغرب فصاروا إلى تأويل هذه المعاجز والخوارق على هذا النمط، أسرع وأميل ؟!


(1)المنار: 3|54 ـ 56.

(27)

إنّ هذا الاَمر هو الذي دفع بنا إلى أن نجعل البحث في هذا الكتاب حول المعاجز والكرامات الواردة للنبي الاَكرم في القرآن، وأنْ نشبع الكلام فيه، وأنْ نقوم في وجه المعاندين الذين جعلوا بعض الآيات القرآنية ذريعة إلى نفي أن يكون لنبي الاِسلام - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم - معاجز غير القرآن، آملين أن ينتفع به الجيل الحاضر كما انتفع بالاَجزاء السابقة، ويقوى به إيمانه ليكون ممن يشمله قوله: ( الَّذين يُوَمِنُونَ بالغيبِ) واللّه المستعان.

جعفر السبحاني

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق - عليه السلام -

15 شعبان المعظم من شهور عام 1405هـ